سياسة

من يدفع راتب مايسة؟

في زمن تعاني فيه آلاف الجمعيات الجادة من قلة الدعم، وتصارع من أجل البقاء وتنفيذ أنشطتها بخيط رفيع من الموارد، تطل علينا المدونة مايسة سلامة الناجي بزلة لسان كشفت أكثر مما كانت تريد إخفاءه. فقد صرّحت، بكل ثقة، أنها تتلقى “راتبًا شهريًا ممتازًا” من الدعم العمومي، باعتبارها رئيسة لجمعية هي من أسستها. تصريح لم يأتِ في سياق تحقيق صحفي أو محاسبة رسمية، بل كان كلامًا عابرًا ظنّت أنه سيمر مرور الكرام، لكنه في الحقيقة كان كالقنبلة التي فجّرت أسئلة مشروعة: من يمول مايسة؟ ولماذا تحظى جمعيتها بما لا تحظى به جمعيات أخرى أكثر جدية وخدمة للمجتمع؟

بعيدًا عن محاولات البعض جرّ النقاش إلى اتهام عزيز أخنوش بتمويلها، وهي التي ظهرت في أكثر من مناسبة تنتقده بحدة، فإن مصادر خاصة لموقع “زون24” تؤكد أن مايسة كانت على علاقة سابقة برجل السياسة المثير للجدل إلياس العماري، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة. علاقة كانت، حسب نفس المصادر، مفتاحًا للعديد من التسهيلات التي استفادت منها، سواء على مستوى الحضور الإعلامي أو على مستوى الموارد التي ضمنت لها حياة مهنية مريحة في عالم الجمعيات.

القضية لا تقف عند حدود شخص مايسة، بل تمتد إلى سؤال أعمق عن معايير توزيع الدعم العمومي للجمعيات في المغرب. كيف يُعقل أن تتلقى جمعية ترأسها مدونة مثيرة للجدل “راتبًا ممتازًا” لرئيستها، بينما تعاني جمعيات أخرى من توقف أنشطتها بسبب غياب التمويل؟ أليس من المفترض أن يكون الدعم موجهاً بالأساس للمشاريع التي تخدم الصالح العام وتحدث فرقًا في حياة المواطنين، لا أن يتحول إلى مصدر دخل ثابت لبعض الأشخاص؟

ثم، ما الذي قدّمته جمعية مايسة للمجتمع حتى تستحق هذا الدعم السخي؟ هل لديها مشاريع موثقة ومؤثرة على الأرض؟ هل خلقت فرص عمل؟ هل ساهمت في حل مشاكل حقيقية؟ أم أن كل ما لديها هو نشاط رقمي يقوم على بث فيديوهات وإثارة الجدل على مواقع التواصل، وهو نشاط شخصي أكثر منه عملاً جمعوياً ذا منفعة عامة؟

الزلّة التي وقعت فيها مايسة لم تكشف فقط عن مصدر دخلها، بل عن عقلية كاملة قائمة على اعتبار العمل الجمعوي وسيلة للعيش المريح بدل أن يكون رسالة لخدمة الآخرين. ومن المؤسف أن هذا النمط من “الناشطات” يسيء لصورة المجتمع المدني في المغرب، ويزرع الشك في نفوس المواطنين حول نزاهة العمل الجمعوي برمته.

إن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني أن تتحول الجمعيات إلى غطاء لتمويل أشخاص بأموال دافعي الضرائب. وعلى السلطات الوصية أن تفتح تحقيقًا شفافًا في كيفية حصول جمعية مايسة على الدعم، ومقارنة ذلك بما تقدمه فعليًا على أرض الواقع. فالأموال العمومية ليست إرثًا خاصًا، ولا منحة شخصية، بل هي أمانة يجب أن تصرف في المكان الصحيح، وبالمعايير نفسها على الجميع.

ختامًا، مايسة سلامة الناجي تستطيع أن تهاجم من تشاء، وأن تدافع عن ما تشاء، فهذا حقها. لكن عندما تتحول إلى مستفيدة من أموال عمومية في وقت يعاني فيه آخرون من الجوع المالي، فإن السؤال يصبح واجبًا: من يدفع راتب مايسة؟ والأهم… لماذا؟