معاناة طلبة الدكتوراه بسطات..استمرار صمت رئيس الجامعة

لا يزال الصمت الغريب والمثير للاستفهام يخيّم على مواقف عبد اللطيف مكرم، رئيس جامعة الحسن الأول بسطات، إزاء ما يجري داخل مركز الدكتوراه التابع للمؤسسة التي يقودها. هذا الصمت، الذي اتّخذه الرئيس منذ تعيينه، لم يعد مجرد موقف محايد، بل تحوّل في نظر كثيرين إلى غطاء غير معلن لخروقات وتجاوزات متراكمة يتخبط فيها المركز، ويذهب ضحيتها طلبة باحثون، لا ذنب لهم سوى أنهم اختاروا سلكاً علمياً يفترض فيه أن يكون منبراً للمعرفة وليس بؤرة للمعاناة.
ورغم تعدد الشكاوى الشفهية والمكتوبة التي توصل بها الرئيس من عدد من الطلبة والأساتذة، ممن استنفدوا كل السبل الإدارية والقانونية للتبليغ عن مكامن الخلل والعبث، إلا أن عبد اللطيف مكرم اختار التزام الصمت، بل والأسوأ من ذلك أنه أبدى، حسب مصادر متطابقة، دعماً مباشراً للمسؤول عن المركز في مباراة معهد علوم الرياضة، التي أُعيد تنظيمها في ظروف ملتبسة، ليتصدرها نفس الاسم المثير للجدل، وكأن لا شيء حدث، وكأن المنطق والمؤسسات والتقارير الصحفية وحتى الضمير الإداري لا وزن لها أمام منطق الولاءات.
في جامعةٍ من المفترض أن تكون فضاء للبحث العلمي الرصين، لا يعقل أن يصبح مركز الدكتوراه واحداً من أكثر المواقع خرقاً للقانون، وتجاوزاً للأعراف الأكاديمية، وإهانةً لكرامة الباحثين. طلاب سلك الدكتوراه، الذين ضحّوا بسنوات من عمرهم لأجل التكوين الأكاديمي والتأطير العلمي، يجدون أنفسهم أمام أبواب مغلقة، وإدارات تتقن فن التماطل والتجاهل، وأحياناً الازدراء. أما برامج التكوين، فحدث ولا حرج: ضعف في التنظيم، غياب للوضوح، وضبابية تامة في معايير الإشراف والتقويم.
كل هذه الاختلالات لا يمكن أن تمر دون محاسبة، ولا يمكن أن تُختزل في مجرد سلوك فردي من هذا المسؤول أو ذاك. فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق رئيس الجامعة، الذي يبدو أنه يفضل الصمت المريح على المكاشفة الصعبة، ويختار تغليب منطق التسويات الداخلية على قاعدة الصرامة في تطبيق القانون. وإن كان الرجل يواصل ترديد خطاب “الإصلاح” في كل مناسبة، فإن أولى أولويات الإصلاح الحقيقي تبدأ من تصحيح أوضاع سلك الدكتوراه، الذي يمثّل قلب الجامعة وروحها، ويعكس مستوى الجدية والالتزام داخلها.
فما الجدوى من الترويج لخطابات الجودة والبحث العلمي والانفتاح على المحيط، في الوقت الذي يعيش فيه طلبة الدكتوراه أسوأ أيامهم بين إدارة صمّاء، ومسؤولين يتعاملون معهم بمنطق الاستعلاء واللامبالاة؟ أليس من حق هؤلاء الباحثين أن يجدوا من ينصت إليهم، ويدافع عن حقوقهم، ويوفر لهم ظروفاً عادلة ومنصفة تليق بمكانتهم العلمية؟
الأمر الأخطر هو أن رئيس الجامعة، الذي يقترب من سن التقاعد، لم يعد لديه ما يخسره إدارياً، وهو ما يجعل الكثير من المتابعين يتوجسون من أن يمرر الرجل في لحظاته الأخيرة قرارات ترقيعية، أو يصفي حسابات مؤجلة، على حساب مصير عشرات الطلبة والأساتذة، الذين ينتظرون قرارات جريئة ومسؤولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالصمت الذي يختاره الآن ليس حياداً، بل تواطؤاً بصيغة أخرى، وربما إعلاناً غير مباشر عن عجزه عن تحمل المسؤولية، أو عن قناعته بعدم جدوى الإصلاح في هذه المرحلة.
والحقيقة التي يجب التأكيد عليها، هي أن مقالات موقع “زون24” التي تسلط الضوء على مظاهر التسيب في الجامعة، ليست نابعة من عداء شخصي مع رئيسها، ولا من تصفية حسابات مهنية، كما قد يتوهم البعض أو يُروّج في الكواليس. بل إن الدافع الوحيد لها هو الانتصار لدور الصحافة في كشف الخلل ومساءلة المسؤولين، مهما علت مراتبهم، ومهما حاولوا الالتفاف على النقد الجاد بدعوى “الاستهداف”.
لقد انتهت مهلة الصبر، وحان وقت المحاسبة، والتعرية الشاملة للواقع. فالأقلام لن تسكت، والملفات ستُفتح، والمقالات المقبلة ستواصل فضح المستور، وكشف الخروقات المتسترة، لأن المعركة اليوم ليست مع أشخاص، بل مع منظومة من الفشل والتواطؤ يجب أن تنتهي، لأن ضحاياها كُثُر، ومحاسبة المتسببين فيها ليست خياراً، بل ضرورة.


