ليلى بنعلي..طاقةٌ بوزارةِ الطاقةِ

منذ تعيينها وزيرةً للانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في حكومة عزيز أخنوش، تحولت ليلى بنعلي إلى واحدة من أبرز الوجوه الوزارية المثيرة للانتباه، ليس فقط لأنها أول امرأة تتولى هذا المنصب التقني في تاريخ المغرب، بل لأنها أيضًا تحمل سيرة علمية ومهنية دولية جعلت منها رمزًا للرهان على الكفاءات في مواقع القرار الاستراتيجي. وبالرغم من الانتقادات التي تطال أداء وزارتها من حين إلى آخر، فإن الوزيرة استطاعت أن تفرض إيقاعًا خاصًا بها، يزاوج بين الطموح الواقعي والجرأة في خطاب السيادة الطاقية.
تحمل ليلى بنعلي شهادة دكتوراه من جامعة “فرساي” الفرنسية، وتخصصت في مجالات الطاقة والسياسات العامة، قبل أن تلتحق بمناصب مهمة في مؤسسات دولية من قبيل المنتدى الدولي للطاقة والبنك الدولي، كما عملت في شركات استشارية عالمية على غرار “إرنست أند يونغ”. وقد راكمت الوزيرة تجربة غنية في ملفات الطاقة والانتقال الطاقي، ما جعلها تحظى بثقة الدولة لتقود أحد أكثر القطاعات حساسيةً واستراتيجية في المغرب.
منذ توليها المنصب، رفعت بنعلي شعار تحقيق “السيادة الطاقية” وتخفيض التبعية للخارج، مستندةً إلى الاستراتيجية الوطنية للطاقة التي تستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من المزيج الطاقي الوطني في أفق 2030. وقد كثّفت من المشاريع في مجال الطاقات النظيفة، وخاصة الطاقة الشمسية والريحية، كما دشّنت خطوات نحو تطوير الهيدروجين الأخضر، معتبرة إياه رهانًا مستقبليًا للمغرب للتموقع في السوق الدولية كمزوّد موثوق.
لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود، إذ تواجه الوزارة تحديات كبيرة مرتبطة بتأخر بعض المشاريع، ومحدودية الربط الكهربائي بين الجهات، واحتكار بعض الفاعلين الخواص للسوق، إضافة إلى إكراهات التمويل والتشريعات. وهنا، تبقى قدرة الوزيرة على تجاوز العقبات رهينة بتعزيز الحكامة والانفتاح على الفاعلين المحليين وإرساء شراكات عادلة مع القطاع الخاص.
اللافت في مسار بنعلي هو لغتها الواضحة وقدرتها على الترويج لرؤية وطنية طموحة في المحافل الدولية، حيث تحرص على تقديم المغرب كبلد صاعد في ميدان الطاقات المتجددة، قادر على جذب الاستثمارات الكبرى، وتحقيق التوازن بين التنمية والبيئة. لكن في الداخل، يشتكي عدد من المواطنين من ارتفاع فواتير الكهرباء ومحدودية أثر مشاريع الطاقة على فرص الشغل والتنمية المحلية، خاصة في المناطق المهمشة.
لا يمكن تجاهل رمزية أن تكون امرأة في موقع القرار الطاقي في بلد يشق طريقه نحو الحداثة الطاقية، وفي قطاع كان، ولعقود، حكرًا على الرجال. بنعلي تحاول أن تبرهن على أن الكفاءة لا جنس لها، وأن المرأة قادرة على قيادة ملفات كبرى بحجم الأمن الطاقي والتغير المناخي والتحول البيئي. ورغم الانتقادات السياسية والإعلامية التي تطالها أحيانًا، فإنها تبقى صوتًا حاضرًا ومؤثرًا في النقاش الطاقي داخل وخارج المغرب.
ليلى بنعلي ليست مجرد وزيرة تُدير قطاعًا تقنيًا، بل هي طاقة فكرية ومؤسساتية تسعى لبلورة انتقال طاقي فعلي في المغرب. نجاحها رهين بقدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، وعلى جعل المواطن يشعر بأثر السياسات في حياته اليومية، لا فقط في التقارير والاستراتيجيات. وبين الطموح والواقع، تظل بنعلي أمام امتحان يومي في إدارة ملف هو مفتاح التنمية وأداة للسيادة.


