الكاتب العام لكلية الحقوق سطات..الفشل يعني الاستمرار

في مشهد يختزل أعطاب التسيير الإداري داخل مؤسسات التعليم العالي بالمغرب، تواصل كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات تقديم نماذج صارخة على سوء التدبير والجمود المؤسساتي. وبين جدران هذه الكلية، يبرز اسم الكاتب العام كعنوان للفشل الإداري المزمن، ورمزٍ للاستمرار الغريب في موقع المسؤولية رغم حصيلة مثقلة بالأخطاء، وعجزٍ واضح عن مواكبة متطلبات المرحلة ومطالب المرتفقين.
فبعد أكثر من عشر سنوات على تنصيبه، ما زال الكاتب العام ذاته يسيّر دواليب الإدارة، بنفس العقلية، ونفس الإخفاقات، ونفس العشوائية التي راكمت استياءً واسعاً في صفوف الطلبة والموظفين والأساتذة على حد سواء. وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تفرز هذه التجربة مراجعة جذرية، يزداد الوضع تأزماً، ويُكافأ الفشل بالمزيد من البقاء.
آخر تجليات هذا العطب الإداري تمثلت في إعلان رسمي أصدرته الكلية مؤخراً، توجّه إلى الطلبة الذين تعذّر عليهم الحصول على وثائقهم الإدارية في الوقت المحدد، ودعاهم إلى تقديم “تصريح بالضياع” كحل بديل. الإعلان، الذي أثار موجة من السخرية والاستغراب، تضمّن أيضاً تلميحاً إلى وجود “وشايات كاذبة”، وكأن الإدارة تريد التملص من مسؤوليتها وتحويل اللوم إلى الطلبة أنفسهم، عبر نَسب الخلل إلى مؤامرات وهمية وشكايات ملفّقة.
هذا الإعلان لا يعكس فقط اختلالاً في تقديم الخدمة العمومية، بل يُجسّد ذهنية متجاوزة تقوم على تبرير الفشل بدل تصحيحه، وعلى مهاجمة المرتفقين عوض الإنصات لهم. والأدهى من ذلك أن كل هذه الاختلالات تقع تحت أعين عميدة الكلية، التي اختارت أن تحمي هذا الكاتب العام وتحضنه، رغم كل ما يثار حوله من انتقادات، وفي تجاهل تام لدورها الإصلاحي المفترض.
بل إن رئيس جامعة الحسن الأول نفسه، الذي يُفترض أن تكون له سلطة الرقابة والتدخل، لم يُبادر إلى تفعيل صلاحياته الإدارية في تقييم الأداء واتخاذ القرارات اللازمة، واكتفى بدور المتفرج، غير قادر – أو غير راغب – في الإقدام على خطوة إعفاء هذا المسؤول، الذي أصبح عبئاً على المؤسسة وسمعتها ووظائفها الأساسية.
كيف يمكن لمرفق جامعي بهذا الحجم أن يستمر في إدارة خدماته الحيوية بعقلية التبرير والإنكار؟ كيف يُعقل أن يستمر مسؤول في منصبه لأكثر من عقد من الزمن دون أي مساءلة أو تجديد، رغم تفاقم الأعطاب وتعاظم شكاوى المرتفقين؟ ولماذا تواصل العمادة منح الحماية لشخص يثبت يومًا بعد آخر أنه لا يصلح لتحمّل المسؤولية؟
ما يجري في كلية الحقوق بسطات لا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن السياق العام للجامعة المغربية، لكنه يقدّم نموذجاً صارخاً للفشل الإداري الذي لا يُحاسَب، بل يُكافأ بالاستمرار. إنها مفارقة مقلقة: حين يتحوّل الفشل إلى امتياز، وتغدو “الوشاية الكاذبة” شماعة تعلق عليها أخطاء المؤسسة، وتُغيّب المحاسبة بدعوى “الاستقرار الإداري”.
الرسالة التي تصل من هذا الوضع واضحة وصادمة: في كلية الحقوق بسطات، الفشل لا يعني الإعفاء… بل يعني الاستمرار، وربما الترقية، في مؤسسة لم تعد تعرف أين تبدأ حدود المسؤولية، ولا أين تنتهي سطوة الولاءات.
إن الوقت قد حان لتدخل عاجل من وزارة التعليم العالي لفتح تحقيق شامل في طريقة تدبير الإدارة بكلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، واستحضار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، صوناً لكرامة الجامعة العمومية، وحمايةً لحقوق الطلبة، وقطعاً مع منطق “الإفلات من العقاب الإداري” الذي صار قاعدة في بعض المؤسسات.


