عالةٌ على الحكومة

منذ أن وضع عبد اللطيف وهبي قدميه في المشهد السياسي كأمين عام لحزب الأصالة والمعاصرة، ثم كوزير للعدل في حكومة أخنوش، بدا وكأنه يمشي على حافة فضيحة تجر أخرى، دون أن يهتز له جفن، وكأن الرأي العام مجرّد صدى باهت في وادٍ لا يصل إليه صوته. آخر جرائم اللامسؤولية السياسية التي تورّط فيها، ليست سوى فصل جديد من سيرة رجل بات يمثل عبئاً ثقيلاً على الحكومة، وعلى الدولة برمتها.
قضية الفيلا التي وهبها لزوجته، في خرقٍ سافر للقانون، مع شبهات التهرب الضريبي التي تحوم حوله، ليست مجرد زلة لسان أو سوء تقدير إداري، بل هي عنوان صريح على جبروت رجلٍ لا يرى في المنصب العمومي تكليفاً أخلاقياً بقدر ما يعتبره غنيمة شخصية، يوزّع عبرها الامتيازات ويُحصِّن بها مصالحه.
وهبي لم يكن يوماً مكسباً للحكومة، بل منذ أول وهلة صار عبئاً على تحالفها الهش. فبدلاً من أن ينظف قطاع العدل من الإرث الثقيل، اختار أن يلوّثه بالمزيد من منطق الاستعلاء على القانون. وفي الوقت الذي كان يُنتظر منه أن يعزز استقلالية القضاء ويُكرّس الثقة فيه، انشغل بملاحقة الصحافيين ورفع الدعاوى القضائية ضدهم، وكأنه ينتقم من حرية التعبير باسم “هيبة المنصب”.
لا يختلف اثنان اليوم على أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي جاء إلى الحكم بشعار القطع مع الفساد، أضحى بفضل وهبي أحد أكثر الأحزاب إثارة للفضائح في تاريخ الحكومات المغربية. من تعيينات مشبوهة، إلى تصريحات متعالية، إلى تضارب مصالح صارخ، بات الحزب وكأنه آلة لتفريخ الأزمات، ولا سيما تحت قيادة وزيرٍ لا يجيد سوى افتعال الصدامات وتوجيه الإهانات.
لكن وهبي لم يعد مشكلة حزبٍ أو مكوِّنٍ حكوميٍّ فحسب. الرجل بتصرفاته وخرجاته، بات عبئاً على صورة الدولة ومؤسساتها، وصار يمثل تهديداً صريحاً لثقة المواطنين في مشروع الإصلاح برمته. ففي بلد يسعى لتعزيز حكم القانون، من غير المقبول أن يكون وزير العدل نفسه هو أول من يحتقر هذا القانون ويتهرب من واجباته تجاه الدولة.
لا أحد اليوم يمكنه الدفاع عن عبد اللطيف وهبي دون أن يلطخ سمعته. ولا شيء أسوأ من أن تُصبح الحكومة، عن وعي أو تواطؤ، غطاءً لرجل لا يؤمن إلا بنفسه، ولا يرى في الدولة سوى أداة لتكريس نفوذه. لقد آن الأوان أن تعترف الحكومة أن وهبي لم يعد مجرد عضو في طاقمها، بل صار عالة عليها، وعلى الدولة، وعلى مشروع الديمقراطية برمته.
فعندما يصبح وزير العدل مصدر قلق وعداء للرأي العام، فاعلم أن العطب ليس في المنصب، بل في من يعتليه.


