خبثُ المقص

في عالم الإعلام والسياسة، المقص ليس مجرد أداة تُستعمل لقص الورق أو القماش، بل صار رمزاً مزدوجاً؛ فهو أداة لفتح الأبواب أحياناً، وأداة للغدر والتشويه أحياناً أخرى. المقص له وجهان: وجهٌ نبيل حين يُستعمل لقص شريط افتتاح سفارة جديدة في قلب العيون أو الداخلة، ووجهٌ خبيث حين يُستعمل في غرف المونتاج لاقتطاع جملة من سياقها، وقلب معناها، وتحويلها من حديث وطني مسؤول إلى تصريح يُستعمل لتأليب الناس أو شحن الجماهير. وما أكثر المقصات الخبيثة في زمن التواصل السريع، حيث الحقيقة لا تهم إلا بقدر ما تخدم ضجيجاً أو ترندًا.
لعل أنجع مقص عرفه المغرب في السنوات الأخيرة هو مقص ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، الذي استعمله في افتتاحات متعددة لقنصليات وسفارات بالصحراء المغربية، محولاً حلم السيادة الكاملة إلى واقع ملموس. مقص “مول السفارات” كان مؤلماً، بل مدمياً لنظام الجزائر الذي خسر جولات متتالية في معارك الشرعية والاعتراف الدولي. فقد كان ردّ الفعل الجزائري تجاه تحركات بوريطة دليلاً على عمق الألم، فتارةً يهددون بقطع العلاقات، وتارةً يلوّحون بشكوى إلى مجلس الأمن، وتارةً يُكثفون مقصاتهم الأخرى في ميدان الإعلام والدعاية.
لكن، وفي مقابل “المقص البوريطي” الذي فتح آفاقًا دبلوماسية جديدة للمغرب، كان هناك مقص آخر يعمل بخبث وتخفي: مقص التوضيب. هذا المقص لا يقص الأشرطة بل الحقائق. لا يفتتح السفارات، بل يغلق العقول على رواية واحدة مفبركة، مصممة بإتقان شديد لخدمة سردية معينة أو هجوم سياسي أو إعلامي.
الإعلام الجزائري الرسمي، مثلاً، صار خبيراً في هذا النوع من “المونتاجات المغرضة”، وقد طالت هذه الخباثة مؤخرًا فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث تم اجتزاء تصريحاته وبترها من سياقها لتبدو وكأنها اعترافات بتورط أو فساد أو تغول داخل “الكاف” والفيفا، بينما الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. إنهم يُبدعون في صناعة الوهم، يُغلفونه بلقطات مختارة، ويضيفون إليه تعليقاً صوتياً مشحوناً، فيتحول الحياد إلى تحامل، ويتحول الدفاع إلى هجوم.
ولكن ليس الإعلام الجزائري وحده من وقع في حبائل “مقص الخبث”. حتى داخل المغرب، أصبح بعض محترفي التحليل السياسي ومنتجي المحتوى ورواد التواصل الاجتماعي أسرى لهذا المقص. مؤخراً، طالت مقصات التوضيب رئيس الحكومة عزيز أخنوش في مقطع مجتزأ من جلسة برلمانية منقولة مباشرة على القناة العمومية، حيث تم اقتطاع بضع ثوانٍ من حديث دام دقائق طويلة، لتتحول إلى مادة شحن وتحريض تحت عناوين كبرى من قبيل: “أخنوش يهدد الدولة”، أو “أخنوش يُسقط القناع”.
لنكن واضحين هنا: لا أحد فوق النقد، وأخنوش بصفته رئيساً للحكومة، مسؤول أمام الشعب والبرلمان والإعلام. بل إن واجب النقد واجب وطني وأخلاقي، خاصة حين يتعلق الأمر بتدبير الشأن العام، ومراقبة الصفقات العمومية، وتقييم السياسات الاجتماعية. ولكن أن نبتعد عن النقد البناء، ونستعمل “مقصات مركزة” لتجييش الرأي العام، فإننا هنا لا نمارس الصحافة، بل نمارس التحريض، ولا نمارس السياسة، بل نمارس التزوير الرمزي للحقيقة.
الفرق كبير بين أن تنتقد أداء رئيس حكومة في مجال اجتماعي أو اقتصادي أو حتى تواصلي، وبين أن تختزل كلامه في ثانية ونصف وتُسقط عليه نوايا لم يقلها، أو تُلبسه تهديداً لم يصدر عنه. نحن لا نطالب بوقف النقد، بل نطالب برفع منسوبه ليكون واعياً، نبيلاً، مسؤولاً، لا تابعاً لمقصات غادرة ولا خاضعاً لسرديات ملفقة.
السياسة، كما يجب أن تكون، ليست فقط ساحة لصراع المصالح، بل ميدانٌ للمروءة أيضاً. والذين يمارسونها بالتحايل على الحقائق سيجنون مؤقتاً تأثيراً، لكنهم يفقدون تدريجياً ثقة الناس. كذلك الإعلام، إذا ما فقد بوصلته الأخلاقية، سقط في مستنقع الشعبوية الرخيصة، وأصبح عبداً للـ”تقطيع والتركيب”، لا خادماً للحقيقة والضمير العام.
في زمن المقصات الكثيرة، من مقص بوريطة إلى مقص المونتاج، يبقى الأمل في وعي الناس. فالمواطن اليوم صار أكثر فطنة، وأكثر قدرة على التمييز بين اللقطة المجتزأة والخطاب الكامل، بين النية الحسنة والنية الخبيثة، بين المقص الذي يفتح أبواب السيادة، والمقص الذي يغلق أبواب العقل.
الحقُّ لا يُقص، وإن قُصّت مشاهده.


