سياسة

مشكلتنا مع أخنوش

هل أخنوش سارق؟ الجواب قطعاً لا. هل الرجل يطمع في تعويضات رئاسة الحكومة؟ الجواب مرة أخرى وبالقطع أيضاً لا.

عزيز أخنوش ملياردير، ورث تاريخاً تجارياً صلباً من والده، وطوّره لاحقاً في مجموعته الاقتصادية العملاقة “أكوا”. يمكن أن تختلف معه سياسياً، سواء في زمن وزارته للفلاحة أو الآن وهو رئيس للحكومة، لكن يصعب إنكار الجانب الآخر للرجل: ذاك الذي يقدّمه المقربون منه كفاعل خير من الطراز الأول، رجل يملك قدرة عجيبة على العطاء بصمت، بعيداً عن عدسات الكاميرا ووهج الإعلام.

لكن رغم كل هذا، لماذا لا يتقبله جزء واسع من المغاربة؟ لماذا تبدو العلاقة بينه وبين الرأي العام متوترة، حتى عندما يخطو خطوات سليمة أو يعبر عن نية إصلاحية؟ هنا مربط الفرس، وهنا يظهر السؤال الحقيقي: هل مشكلتنا فعلاً مع أخنوش السياسي؟ أم مع أخنوش الغني؟

في لاوعي جزء من المجتمع المغربي، هناك عقدة راسخة تجاه الثروة، خصوصاً حين تظهر في يد السياسي. المغاربة، وهم أبناء ثقافة عريقة متجذرة في مفاهيم الزهد والتقشف والستر، لا يتقبلون بسهولة أن يجمع رجل واحد بين المال والسلطة. بل حتى لو كان المال “مالو”، ورثه أو صنعه بكده، فالسلطة، في وجدانهم، يجب أن تكون منفصلة عن الامتيازات المالية. لهذا حين يُرى شخص مثل أخنوش في “دار المخزن”، لا يُعامل كرئيس حكومة بقدر ما يُعامل كرجل أعمال جاء “يتربح”، حتى ولو لم تكن هذه نواياه ولا أفعاله.

الذين يعرفون أخنوش عن قرب يحكون عن رجل لا تهمه أجرة الوزير ولا امتيازات المسؤول الكبير. هو أكبر من ذلك بحكم حساباته البنكية وشبكاته الاقتصادية العابرة للقطاعات. لكنه في وعي المغاربة “راجل لاباس عليه”، وهذه العبارة البسيطة تختزل تناقضاً نفسياً عميقاً: أنت لست مفلساً مثلنا، إذن لا تشعر بنا، إذن لن تنجح في حل مشاكلنا. وهذه معادلة ظالمة، لكنها مغروسة في النفوس.

المال، في الذاكرة الجمعية المغربية، كان دائماً مرتبطاً بالصراع الطبقي، بالحظوة، بالاستثناء، بالابتعاد عن الهم العام. حتى في الحكايات الشعبية كان “الغني” هو الذي يركب الحمار السمين، بينما “الفقير” يمشي حافي القدمين يتمنى الصدقة أو العدالة من السلطان. هذه الصورة لا تزال حية في اللاوعي الجمعي، ولو بطرق جديدة. ولهذا فحين يصعد إلى السلطة ملياردير مثل أخنوش، تنتفض هذه الصور في الأعماق، وتتحول إلى شعور دفين بعدم الثقة، حتى ولو جاء الرجل بمشاريع مقنعة.

الطريف أن هذا الشعور لا علاقة له بما يفعله أخنوش فعلاً، بل هو نتيجة تركيبة نفسية/اجتماعية تشكك في نوايا كل غني يقترب من السلطة. نفس هذه العقدة تجعل المغاربة يتعاطفون تلقائياً مع المسؤولين “البسطاء”، حتى لو كانوا فاسدين، لأن صورتهم لا تثير الغيرة ولا الخوف.

وفي السياسة، كما في المسرح، تلعب الصورة الدور الأهم. أخنوش، برغم محاولاته كسب القلوب بخطابات ناعمة أو برامج اجتماعية، لا يزال أسير هذه الصورة: صورة “الملياردير رئيس الحكومة”، وهو موقع نفسي صعب جداً، لا يتيح له أن يكون مقنعاً بسهولة، مهما فعل أو أنفق أو أنجز.

لهذا فمشكلتنا مع أخنوش، ربما، ليست هو شخصياً، بل ما يمثله في المخيال الشعبي: ذاك الرجل الذي يملك كل شيء، في بلد يشعر فيه كثيرون أنهم بلا شيء.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: أزمة الثقة في الأغنياء حين يصبحون ساسة، وأزمة شعب يتوجس من أن يكون الحكم في يد من لا يعرف ثمن الخبز في سوق الحومة.

وفي النهاية، قد يكون أخنوش بريئاً من هذه الصورة التي تلاحقه. لكنه، للأسف، لا يستطيع أن يهرب منها.