إصلاح الجامعة..أخنوش يجتمع بلقجع والميداوي

في سياق العناية الموصولة التي يوليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ترأس رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يوم الثلاثاء اجتماعاً خصص لتدارس قضايا جوهرية تمس صميم ورش إصلاح التعليم العالي ببلادنا، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي، والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع. وهو اجتماع يعكس، مرة أخرى، أن ملف الجامعة المغربية لم يعد ملفاً هامشياً، بل أصبح في صلب الرهانات الكبرى التي تعول عليها الدولة لبناء مغرب المستقبل.
من بين المواضيع التي شكلت محور هذا اللقاء، مسألة تأهيل الأحياء الجامعية ورفع طاقتها الإيوائية، وهي قضية لم تعد تحتمل التأجيل، في ظل واقع الإكتظاظ الذي تعاني منه معظم الأحياء الجامعية، خاصة في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، حيث يجد آلاف الطلبة أنفسهم مجبرين على البحث عن حلول بديلة، مكلفة وغير آمنة، خارج المنظومة الرسمية. وإذا كانت الحكومة تعتزم رفع الطاقة الاستيعابية لهذه الأحياء، فإن التحدي لا يكمن فقط في عدد الأسرة، بل في جودة الفضاء الجامعي ككل، ومدى استجابته لحاجيات الطالب المغربي المعاصر الذي يتطلع إلى فضاء يوفر له شروط الحياة الكريمة من تغذية ملائمة، وصيانة مستمرة، وربط بشبكات الأنترنت عالية الجودة، فضلاً عن مرافق ثقافية ورياضية تساهم في تكوين شخصيته وتنمية قدراته الفكرية والجسدية.
وفي سياق متصل، تطرق الاجتماع إلى مشروع إعادة هيكلة الخريطة الجامعية الوطنية، في خطوة تعكس رغبة الدولة في جعل الجامعة رافعة للتنمية الجهوية، وليس مجرد فضاء مركزي لتفريخ الشهادات. فالتحولات الديمغرافية والاقتصادية التي تعرفها جهات المملكة تفرض إرساء أقطاب جامعية متخصصة حسب خصوصيات كل جهة، بما يعزز جاذبيتها الاستثمارية، ويربط التكوين الجامعي بحاجيات سوق الشغل المحلية. غير أن هذا المشروع الطموح يصطدم بمعضلة مزمنة تتعلق بعدم التوازن بين المركز والهامش، حيث ظلت الجهات الكبرى تتمتع بالنصيب الأوفر من الاستثمارات والبنيات الجامعية، بينما تعاني مناطق مثل الجنوب الشرقي والشمال الغربي من نقص مهول في العرض الجامعي ومحدودية التكوينات المتاحة. ومن ثم فإن أي مشروع لإعادة هيكلة الخريطة الجامعية لن يحقق أهدافه ما لم يأخذ بعين الاعتبار ضرورة الإنصاف الترابي، وضمان حق كل طالب مغربي في ولوج تعليم جامعي ذي جودة، مهما كان انتماؤه الجغرافي أو الاجتماعي.
أما النقطة الثالثة التي تناولها الاجتماع، فتتعلق بورش مراجعة القانون المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي، وهو نص قانوني يعود إلى أزيد من عقدين من الزمن، ولم يعد مواكباً للمتغيرات الكبرى التي شهدتها منظومة التعليم العالي، سواء على المستوى الوطني أو العالمي. فالعالم اليوم يتحدث عن جامعات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا النانو، والابتكار المفتوح، والبحث التطبيقي الذي يربط المعرفة العلمية بحاجيات الاقتصاد والمجتمع، بينما لا تزال جامعاتنا تخضع لمنظومة قانونية تعود إلى منطق القرن الماضي، تقوم على المركزية الإدارية، وضعف استقلالية المؤسسات الجامعية، وغياب الحوافز الحقيقية للبحث العلمي المنتج. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى نص قانوني جديد يكرس مبادئ الحكامة الجيدة، ويعطي للجامعة المغربية استقلاليتها الأكاديمية والإدارية والمالية، مع تحفيز الشراكات مع القطاع الخاص، خاصة في مجالات الابتكار والتكنولوجيات الحديثة، وتطوير آليات تمويل البحث العلمي وفق معايير الجودة والنجاعة والارتباط بحاجيات التنمية الوطنية.
كل هذه الأوراش تبدو في ظاهرها مبشرة، وتعكس نية واضحة لدى الحكومة للارتقاء بالجامعة المغربية، غير أن التحدي الأكبر سيظل، كما كان دائماً، في قدرة الدولة على الانتقال من مستوى النوايا الحسنة والتصريحات الرسمية إلى مستوى الفعل الملموس والقرارات التنفيذية. ذلك أن تاريخ السياسات العمومية في قطاع التعليم العالي بالمغرب حافل بالاستراتيجيات والمخططات التي لم تجد طريقها إلى أرض الواقع، إما بسبب نقص الموارد، أو ضعف التنسيق بين المتدخلين، أو غياب الرؤية المتكاملة القادرة على الجمع بين الإصلاح البنيوي العميق ومتطلبات الاستعجال الاجتماعي. فهل ستكون هذه المرة مختلفة؟ وهل ستنجح الحكومة في رفع هذا التحدي المركب، لتضع الجامعة المغربية في مصاف الجامعات الصاعدة، القادرة على تخريج أجيال من الكفاءات العلمية والمهنية، المندمجة في النسيج الاقتصادي الوطني والعالمي؟
الجواب سيحمله المستقبل، لكن المؤكد أن نجاح هذه المشاريع رهين بمدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية، والقدرة على تعبئة التمويلات الضرورية، وإشراك الفاعلين المعنيين، من أساتذة باحثين، وطلبة، وشركاء اقتصاديين، في صياغة وتنفيذ هذا الورش الكبير. فجامعة الغد لن تكون مجرد بنايات جديدة أو قوانين محدثة، بل فضاءً حيوياً للإبداع والبحث والإنتاج، لا يقتصر دوره على منح الشهادات، بل يتعداها إلى صناعة المستقبل.


