عز الدين الميداوي..المهدي المنتظر لإصلاح الجامعة المغربية

منذ تعيينه على رأس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بدا أن عز الدين الميداوي يحمل رؤية جديدة ومختلفة للجامعة المغربية، رؤية مبنية على الصرامة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذه الملامح سرعان ما ترجمت إلى قرارات ميدانية شجاعة، أولها القرار المفاجئ بإعفاء رئيس جامعة ابن زهر بأكادير، في خطوة غير مسبوقة تحمل رسائل قوية مفادها أن زمن التساهل مع الفساد في الجامعات قد ولى بلا رجعة.
هذه الخطوة جاءت على خلفية فضيحة بيع الشواهد الجامعية، التي تورط فيها، أحمد قيلش، والذي ضبط بحوزته مبالغ مالية ضخمة تُقدَّر بملايير السنتيمات، تبين لاحقاً أنها عائدات تجارة غير مشروعة في الدبلومات والشهادات الجامعية. الفضيحة هزّت الرأي العام الوطني، وكشفت عن حجم الاختلالات التي تنخر بعض مؤسسات التعليم العالي، لكن قرار الوزير الميداوي بإعفاء رئيس الجامعة المعني أعطى الأمل في أن الدولة عازمة فعلاً على تخليق الفضاء الجامعي، ورد الاعتبار لشهاداته ومصداقيته.
ما يُحسب للميداوي في هذا الملف هو سرعته في التدخل، وعدم تردده في اتخاذ قرار سياسي ثقيل كهذا، في وقت كان من الممكن – كما جرت العادة في الماضي – أن يتم تجاهل الفضيحة أو طمس معالمها بقرارات شكلية لا تمس جوهر المشكلة. لكنه بعزيمته أظهر أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية سمعة الجامعة المغربية لا تقبل المجاملة أو الانتظار.
تُعَد هذه الخطوة مؤشراً قوياً على أن عز الدين الميداوي لن يكون مجرد وزير عابر في حكومة عابرة، بل مشروع “مهدي منتظر” لإصلاح منظومة التعليم العالي، بكل ما يعنيه ذلك من إعادة الاعتبار للبحث العلمي، ومكافحة الريع الجامعي، وتطهير الجامعات من شبكات الفساد التي استباحت كرامة المؤسسات الجامعية، وحولت بعضها إلى أسواق تباع فيها الشهادات لمن يدفع، بدل أن تبقى فضاءات للعلم والتكوين.
الميداوي، الذي راكم تجربة أكاديمية وإدارية طويلة، يدرك أن إصلاح الجامعة لا يمر فقط عبر تحديث البرامج والمناهج، بل عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والجامعة، وضمان أن يكون التخرج من المؤسسة الجامعية نتيجة استحقاق ومعرفة، لا سلعة تُشترى وتُباع تحت الطاولات. وإعفاء رئيس ابن زهر، رغم أنه شخصية نافذة في محيطه، دليل على أن الوزير الجديد مستعد لكسر “الطابوهات” ومواجهة شبكات المصالح مهما كانت قوية.
هذا القرار الجريء أعطى إشارة قوية لكل رؤساء الجامعات والعمداء ومدراء المؤسسات، مفادها أن العهد الجديد لا يقبل المساومة مع القيم الجامعية، وأن كل من تورط أو تستر على الفساد معرض للمحاسبة مهما كان موقعه. وهو ما يعزز الأمل في أن تكون الجامعة المغربية خلال السنوات المقبلة فضاءً نظيفاً، شفافاً، منتجاً للعلم والمعرفة، كما يليق بدولة صاعدة تسعى إلى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية عبر الرأسمال البشري.
عز الدين الميداوي بهذا السلوك الحازم وضع اللبنة الأولى على طريق الإصلاح الحقيقي للجامعة المغربية، وهو مسار لن يكون سهلاً بالتأكيد، لكنه ضروري لاستعادة الثقة المفقودة في منظومة التعليم العالي، وجعل الشهادة المغربية ذات قيمة في السوق الوطنية والدولية.
في انتظار باقي خطواته في هذا الورش الحيوي، يحق لنا أن نأمل أن يكون الميداوي هو فعلاً “المهدي المنتظر” الذي سيقود الجامعة المغربية إلى بر الأمان، بعد عقود من الأعطاب والإخفاقات.


