تهديد عزيز أخنوش..أليس من حقه اللجوء إلى القضاء؟

لم يعد عزيز أخنوش مجرد رجل أعمال معروف أو رئيس حزب سياسي، بل أصبح، منذ توليه رئاسة الحكومة، الفاعل الأول في صناعة القرار العمومي بالمغرب، والوجه الأبرز للسلطة التنفيذية في زمن اجتماعي واقتصادي بالغ الحساسية. ولهذا، فإن أي تعبير عن الغضب الشعبي في مواقع التواصل أو في الفضاء العمومي غالبًا ما يتجه مباشرة نحو شخصه، بوصفه المسؤول السياسي الأول عن السياسات العمومية، خاصة تلك المتعلقة بالأسعار والمعيش اليومي للمواطنين.
في هذا السياق، شهدت مدينة أكادير هذا الأسبوع توقيف عامل ثلاثيني، على خلفية نشره تدوينة على صفحته بـ”فيسبوك” تضمّنت عبارات اعتُبرت تهديدًا لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وقد جاءت هذه الخطوة بناءً على شكاية مباشرة تقدم بها هذا الأخير أمام السلطات المختصة، متهماً المعني بالأمر بالتهديد والتحريض والقذف، وفقًا لما أوردته مصادر لموقع “مغرب تايمز”.
المنشور الذي حرّك المسطرة القضائية كُتب بلغتين، العربية والأمازيغية، وتضمّن حسب المعطيات الأولية، لغة غاضبة وناقمة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يحمّل صاحب التدوينة رئيس الحكومة مسؤوليتها. غير أن طبيعة الألفاظ المستعملة، والتي تجاوزت حدود الانتقاد السياسي إلى التهديد الصريح، دفعت النيابة العامة إلى الأمر بوضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية تعميقًا للتحقيق.
هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا: هل يجوز انتقاد رئيس الحكومة بشكل صريح؟ الجواب، من منظور قانوني وديمقراطي، هو نعم. بل إن النقد السياسي لسياسات عزيز أخنوش، سواء كرئيس للحكومة أو كرئيس لحزب التجمع الوطني للأحرار، حق مشروع لكل مواطن. فالمغاربة لم يختاروا العيش في دولة مقدسة تُحصَّن فيها الشخصيات العمومية من النقد والمساءلة، بل في دولة ينص دستورها على الحق في التعبير والاختلاف.
لكن لا يمكن في المقابل القبول بأن يتحول هذا الحق إلى ذريعة لتصفية الحسابات أو إطلاق التهديدات أو التحريض على العنف. فالنقد السياسي، مهما بلغت حدّته، يجب أن يظل في إطار سلمي، عقلاني، يحترم كرامة الأشخاص وحرمتهم. وما إن يُخترق هذا الإطار، حتى يصبح من حق المتضرر، ولو كان رئيس الحكومة، أن يلجأ إلى القضاء باعتباره مواطنًا أولًا، له ما لغيره من الحقوق.
إن الأصوات التي ارتفعت بعد الحادث لتقول إن عزيز أخنوش، بصفته رئيسًا للحكومة، لا يجب أن يرد على انتقادات المواطنين عبر القضاء، بل عبر الأفعال السياسية أو البلاغات الرسمية، تتجاهل أن الحق في التقاضي هو حق دستوري لا يُستثنى منه أحد. ولا يمكن تحويل رئيس الحكومة إلى هدف مشروع للإهانة والتهديد بدعوى أنه شخصية عامة.
في الديمقراطيات العريقة، لا يُطلب من رؤساء الحكومات أن يتسامحوا مع التهديد أو التحريض، بل يُطلب منهم أن يتحملوا الانتقاد، وأن يردّوا عليه بالحجة والمعطى. لكن حين يتحول الانتقاد إلى مس خطير بالسلامة الجسدية أو النفسية، أو إلى تحريض مباشر على العنف، فإن رد الفعل القضائي يصبح ليس فقط حقًا، بل واجبًا لحماية الأمن العام.
لهذا، فإن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يُفتح اليوم ليس حول مشروعية توقيف شخص “انتقد” أخنوش، بل حول ضرورة ترسيخ ثقافة النقد المؤسس على الوقائع والمعطيات، لا على الانفعالات والأحكام المسبقة. كما ينبغي التأكيد على أن حماية حرية التعبير لا تعني السماح بتجاوز القانون، تمامًا كما أن حماية كرامة المسؤولين لا تعني قمع الأصوات المنتقدة.
في الأخير، يبقى عزيز أخنوش، بصفته رئيسًا للحكومة، شخصية عمومية قابلة للنقد والمساءلة، بل ويُفترض فيه أن يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في تفسير السياسات والدفاع عنها. لكنه أيضًا مواطن، من حقه اللجوء إلى القضاء إذا شعر بأن حريته أو سلامته مهددة. وهذا هو جوهر التوازن الذي يجب أن نحافظ عليه: حرية التعبير حق مقدس، لكن تحت سقف القانون.


