مجتمع

جريمة “المسجد الأعظم” تعيد “تهميش” بن أحمد إلى الواجهة

أعادت الجريمة البشعة التي هزت المسجد الأعظم بمدينة بن أحمد، تلك المدينة الصغيرة الواقعة بين برشيد وسطات، إلى واجهة النقاش الإعلامي والعمومي، لا بسبب حجم الفاجعة فقط، ولكن لما حملته من دلالات أعمق تمس واقع الإقصاء والتهميش الذي تعانيه المدينة منذ عقود.

في لحظة واحدة، انتقل اسم بن أحمد من سطور النسيان إلى عناوين الصحف والمنصات، وتحوّل المسجد الأعظم، الذي يُعتبر من أعرق المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، من فضاء للسكينة والطمأنينة إلى مسرح لفعل صادم كشف عن اختلالات اجتماعية وأمنية عميقة.

لكن الجريمة – رغم قسوتها – كانت بمثابة “جرس إنذار” أيقظ الذاكرة الجماعية للمغاربة حول هذه المدينة المنسية، وأعاد إلى الواجهة الحديث عن “العلوة”، هذا المجال الجغرافي والاقتصادي الذي يشمل مدينة بن أحمد، رأس العين، وسيدي حجاج، والذي كان في وقت مضى من أكبر أسواق الماشية والخضر والفواكه في المنطقة، ورافعة اقتصادية حقيقية ساهمت في رسم ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية لعقود طويلة.

بن أحمد اليوم، مدينة تعاني من غياب أبسط مقومات التنمية المحلية. لا حي صناعي يمكن أن يحتضن مشاريع الشباب ويقلص من نسب البطالة المرتفعة، ولا كلية أو معهد عالٍ يسمح لأبناء المدينة بمتابعة دراستهم دون أن يضطروا للهجرة نحو سطات أو الدار البيضاء. حتى البنيات التحتية تبدو متأخرة عن ركب التحديث، في وقت تتسابق فيه مدن مجاورة نحو مشاريع كبرى وتنمية شاملة.

تاريخ بن أحمد ليس طارئاً، فقد كانت في الماضي محطة إستراتيجية بفضل موقعها الجغرافي، واحتضنت فعاليات ثقافية ودينية جعلت منها قبلة للعلماء والتجار. وقد شكلت “العلوة” قلب المنطقة النابض، ليس فقط تجارياً، بل أيضاً اجتماعياً، حيث كانت نقطة التقاء بين مكونات المجتمع المحلي والمجالات القروية المحيطة.

لكن كل هذا الإرث لم يشفع للمدينة عند صناع القرار، فبقيت على هامش مشاريع التنمية الكبرى، وهو ما انعكس سلباً على شبابها الذين يعانون من قلة الفرص وضيق الأفق، مما يفتح المجال أمام مظاهر الانحراف والانزلاق نحو مسارات خطيرة.

جريمة المسجد الأعظم، رغم فظاعتها، قد تكون فرصة لمراجعة شاملة لسياسات الدولة في التعامل مع المدن الصغرى والمجالات شبه الحضرية. فبن أحمد ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة، وتاريخ، وساكنة تنتظر الإنصاف. لقد آن الأوان أن تتحول صدمة الحادث إلى لحظة وعي جماعي، تضع هذه المنطقة على خارطة الأولويات، وتمنح “العلوة” وفضاءاتها رمزية جديدة تنبع من الأمل لا من الألم.