نجوى ككوس..مسارُ برلمانية شابة ترسم طريقها بنجاح

في المشهد السياسي المغربي الذي يعرف تحولات متسارعة وصعود وجوه جديدة داخل المؤسسات التمثيلية، برز اسم نجوى ككوس كواحد من الأسماء النسائية الشابة التي استطاعت، في زمن قياسي، أن تفرض حضورها داخل النقاش العمومي والحياة الحزبية والبرلمانية، ليس فقط باعتبارها منتخبة تمارس وظيفة تشريعية، بل كصوت سياسي يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل الحزبي.
لم يكن صعود نجوى ككوس داخل المشهد السياسي صدفة عابرة أو نتيجة ظرف انتخابي عابر، بل جاء نتيجة مسار تدريجي قائم على العمل التنظيمي والانخراط الفعلي في قضايا الشباب والنساء والعدالة المجالية. فقد اختارت منذ بداياتها أن تمارس السياسة من داخل الميدان، حيث الاحتكاك المباشر مع انتظارات المواطنين، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي التقليدي الذي ظل لسنوات بعيدا عن نبض المجتمع.
داخل قبة البرلمان، استطاعت ككوس أن تقدم صورة مختلفة عن البرلماني الشاب، القادر على الجمع بين الجرأة في طرح الأسئلة الرقابية والهدوء في النقاش المؤسساتي، مع الحرص على الترافع حول قضايا ترتبط بالقدرة الشرائية، والتشغيل، وتمكين الشباب، وتعزيز حضور المرأة في مواقع القرار. هذا الحضور لم يكن مجرد حضور عددي، بل مساهمة فعلية في النقاشات التشريعية والسياسية التي تؤطر المرحلة الحالية.
ويكتسي مسارها السياسي أهمية إضافية بالنظر إلى المسؤولية التنظيمية التي تتحملها كرئيسة للمجلس الوطني لحزب حزب الأصالة والمعاصرة، وهو موقع يضعها في قلب صناعة القرار الحزبي، ويجعلها جزءا من دينامية إعادة هيكلة العمل الداخلي للأحزاب المغربية، خاصة في ظل الحاجة إلى تجديد النخب السياسية وضخ دماء جديدة داخل المؤسسات الحزبية.
ما يميز تجربة نجوى ككوس هو قدرتها على التوفيق بين العمل المؤسساتي والانفتاح التواصلي، حيث تحرص على التواصل المستمر مع الرأي العام عبر خطاب سياسي قريب من المواطنين، بعيد عن اللغة الخشبية التي أضعفت جاذبية السياسة لدى فئات واسعة من الشباب. هذا الأسلوب جعلها تحظى بمتابعة متزايدة، خصوصا لدى الجيل الجديد الذي يبحث عن نماذج سياسية قريبة من واقعه اليومي.
كما يعكس حضورها المتصاعد تحولا أعمق داخل الحياة السياسية المغربية، عنوانه بروز قيادات نسائية شابة لم تعد تكتفي بدور رمزي داخل الأحزاب، بل أصبحت فاعلا أساسيا في صياغة المواقف السياسية وصناعة التوازنات التنظيمية. وهو تحول ينسجم مع الرهانات الديمقراطية المرتبطة بتجديد النخب وتعزيز المشاركة السياسية للنساء والشباب.
نجوى ككوس تمثل أيضا جيلا سياسيا جديدا يحاول تجاوز ثنائية المعارضة والموالاة بمعناها التقليدي، عبر التركيز على النجاعة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يظهر من خلال تدخلاتها التي تميل إلى تقديم حلول عملية بدل الاكتفاء بالمواقف الخطابية. وفي سياق يتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، تبدو هذه المقاربة ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
ولعل ما يمنح تجربتها بعدا خاصا هو وعيها بأن العمل السياسي اليوم لم يعد رهينا فقط بالانتماء الحزبي، بل بمدى القدرة على الإنصات للمجتمع والتفاعل مع تحولات الرأي العام، خصوصا في عصر التواصل الرقمي الذي جعل السياسي تحت رقابة يومية من المواطن. لذلك تحرص على تقديم نموذج سياسي يقوم على القرب والتفاعل والوضوح في المواقف.
إن مسار نجوى ككوس يعكس صورة برلمانية شابة ترسم طريقها بثبات داخل مشهد سياسي يحتاج إلى نفس جديد، حيث الرهان لم يعد فقط الفوز بالمقاعد الانتخابية، بل بناء مصداقية سياسية طويلة المدى. وبين مسؤولياتها البرلمانية والتنظيمية، تبدو ككوس أمام تحدي الاستمرار في تحويل الحضور السياسي إلى تأثير فعلي في السياسات العمومية، وهو التحدي الحقيقي لأي فاعل سياسي يسعى إلى ترك بصمة تتجاوز اللحظة الانتخابية.
في النهاية، يمكن القول إن تجربة نجوى ككوس تعكس تحولا هادئا داخل السياسة المغربية، عنوانه صعود جيل يؤمن بأن السياسة ليست مجرد مواقع أو خطابات، بل مسار عمل يومي قائم على الالتزام والتدرج وبناء الثقة. مسار ما يزال في بدايته، لكنه يحمل مؤشرات على إمكانية تشكل نموذج سياسي نسائي شاب قادر على المساهمة في تجديد الحياة السياسية المغربية وإعادة ربطها بقضايا المجتمع وانتظاراته الحقيقية.


