فن وثقافة

“بنات لالة منانة”..عيوش يثير الجدل من جديد

منذ عرض الجزء الأول من سلسلة بنات لالة منانة، والجدل يرافق العمل أينما حلّ. غير أن الجزء الثالث، الذي يبث عبر القناة الثانية 2M، أعاد إشعال النقاش بقوة أكبر، بعدما تضمن لقطات ومشاهد اعتبرها كثيرون خارجة عن السياق المجتمعي المغربي، ولا تمثل لا التلفزيون العمومي ولا صورة المغرب كما يريدها المغاربة لأنفسهم.

العمل، الذي يقف وراء إنتاجه المخرج والمنتج نبيل عيوش، ليس جديداً على دائرة الجدل. فالرجل دأب، منذ سنوات، على خوض مناطق ملتبسة تثير الانقسام بين من يعتبره صانع صدمة فنية ضرورية لكشف المسكوت عنه، ومن يراه متعمداً استفزاز الذوق العام بحثاً عن الإثارة والانتشار.

في جزئه الثالث، بدا أن السلسلة تجاوزت الخط الفاصل بين الجرأة الفنية والانسلاخ عن المرجعية الثقافية للمجتمع. بعض اللقطات، سواء من حيث الحوار أو الإيحاءات أو طريقة تصوير العلاقات الاجتماعية، بدت للكثيرين وكأنها مستوردة من سياقات أخرى لا تمت بصلة للواقع المغربي في عمقه وتنوعه. التلفزيون العمومي، الذي يدخل بيوت ملايين المغاربة خلال شهر رمضان، ليس فضاءً تجريبياً مفتوحاً بلا ضوابط، بل مؤسسة يفترض أن توازن بين حرية الإبداع واحترام الخصوصية المجتمعية.

النقاش هنا لا يتعلق برفض الفن أو مصادرة حرية التعبير، بل بالسؤال الجوهري: من يحدد سقف الجرأة عندما يتعلق الأمر بخدمة عمومية؟ وهل يمكن تبرير كل شيء باسم الواقعية؟ ثم هل الواقعية تعني بالضرورة تضخيم الهامشي وتقديمه باعتباره القاعدة؟

منتقدو العمل يرون أن بعض المشاهد لا تمثل المغرب، بل تقدم صورة نمطية تختزل المجتمع في زوايا ضيقة ومبالغ فيها. المغرب، بتعدديته الثقافية وتوازنه الأسري وقيمه المتجذرة، أكبر من أن يُختزل في خطاب صادم أو مشهد مثير للجدل. التلفزيون العمومي ليس منصة خاصة، بل هو تعاقد رمزي مع المجتمع، وأي انزياح عن هذا التعاقد يفتح الباب أمام مساءلة مشروعة.

في المقابل، يدافع أنصار العمل عن حق المبدع في طرح قضايا شائكة، معتبرين أن الفن ليس منشوراً أخلاقياً ولا درساً مدرسياً في التربية المدنية. لكن حتى هذا الطرح لا يلغي مسؤولية السياق، خاصة عندما يتعلق الأمر بعمل يُعرض في وقت الذروة، ويشاهده الكبار والصغار.

اللافت أن الجدل الذي يرافق أعمال نبيل عيوش لم يعد حدثاً عارضاً، بل صار جزءاً من استراتيجيته التواصلية غير المعلنة. كل عمل جديد يخرج إلى العلن مصحوباً بعاصفة من النقاش، ما يضمن له حضوراً إعلامياً مضاعفاً. وهنا يطرح سؤال آخر: هل الجدل هدف في حد ذاته، أم نتيجة طبيعية لاختيارات فنية واعية بتبعاتها؟

مهما يكن، فإن ما أثارته “بنات لالة منانة” في جزئها الثالث يعكس توتراً قائماً بين حرية الإبداع وحدود المسؤولية. المغرب اليوم يعيش تحولات اجتماعية عميقة، لكنه في الآن نفسه متمسك بثوابته. وأي عمل فني يسعى لقراءة هذه التحولات مطالب بأن يفعل ذلك بذكاء وحساسية، لا بمنطق الصدمة المجانية.

الجدل سيخفت كما خفت في محطات سابقة، لكن الأسئلة ستبقى معلقة: أي تلفزيون نريد؟ وأي صورة عن أنفسنا نختار أن نصدرها؟ بين من يرى في الجرأة ضرورة فنية، ومن يراها استفزازاً غير مبرر، تبقى الحقيقة أن النقاش في حد ذاته صحي… شريطة ألا يتحول إلى قطيعة بين الفن والمجتمع.