افتتاحية

خيرات “في سطات”

في السياسة كما في الحياة، ليست العودة مجرد خطوة إلى الوراء، بل قد تكون قفزةً إلى الأمام. هكذا تبدو عودة عبد الهادي خيرات إلى المشهد السياسي من بوابة حزب التقدم والاشتراكية، قبيل استحقاقات 2026. عودةٌ تثير أسئلةً كثيرة، لكنها في سطات تحديداً تفتح أيضاً باب الأمل.

السطاتيون، وهم يتهيأون لمرحلة انتخابية دقيقة، لا ينظرون إلى هذه العودة بمنطق الأعمار، ولا يخوضون في جدل “الشباب أولاً” أو “التجديد بأي ثمن”. فهناك حالاتٌ استثنائية يُصبح فيها التاريخ النضالي رصيداً سياسياً حقيقياً، لا مجرد سيرة ذاتية. وفي حالة عبد الهادي خيرات، يبدو أن الكفّة تميل لصالح ذاكرة سياسية ممتدة، وتجربة مراكمة، وقدرة على إدارة التوازنات.

لسنوات طويلة، ظل اسم خيرات مرتبطاً بالفعل السياسي الوطني، وبالمعارك الكبرى التي خاضتها النخب الحزبية دفاعاً عن مواقفها وقناعاتها. قد يختلف معه البعض، وقد يتفق معه آخرون، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرجل ليس طارئاً على السياسة، ولا عابراً في محطاتها. إنه ابن مدرسة حزبية عريقة، تعرف معنى التنظيم والانضباط، وتدرك أن السياسة ليست فقط خطابةً موسمية، بل التزاماً طويل النفس.

اليوم، وهو يعبر إلى حزب التقدم والاشتراكية، لا يبدو الأمر مجرد انتقال حزبي عادي، بل رسالة سياسية متعددة الأبعاد. فالحزب، الذي يحاول إعادة ترتيب أوراقه استعداداً لانتخابات 2026، يبعث بإشارة واضحة مفادها أن الرهان ليس فقط على الوجوه الجديدة، بل أيضاً على الكفاءات ذات التجربة، وعلى الشخصيات التي تستطيع أن تُحدث فرقاً انتخابياً وتنظيمياً.

في سطات، النقاش مختلف قليلاً. هنا، يتقاطع المحلي بالوطني، وتتداخل رهانات التنمية مع رهانات التمثيلية. الإقليم، الذي ظل لسنوات يطالب بنخب قادرة على الدفاع عن مصالحه داخل المؤسسات، يجد نفسه أمام اسم يملك شبكة علاقات واسعة، وتجربة برلمانية وحزبية معتبرة، وقدرة على التحرك داخل دهاليز القرار.

ليس المطلوب من عبد الهادي خيرات أن يكون “منقذاً”، فالسياسة لا تحتمل الأساطير. لكن المطلوب أن يكون إضافة نوعية، وأن يُحوّل ترشحه – إن تأكد – إلى لحظة شبه إجماع حول فكرة بسيطة: أن سطات تستحق تمثيلية قوية، وأن الرهان يجب أن يكون على من يستطيع أن يخدم الإقليم بفعالية، لا على من يكتفي بالشعارات.

قد يقول قائل إن الزمن تغير، وإن قواعد اللعبة الانتخابية لم تعد كما كانت. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن السياسة تحتاج إلى مزيجٍ من الحماس والخبرة، من الطموح والتجربة. وإذا كان الشباب ضرورةً لتجديد الدماء، فإن بعض الأسماء تشكل جسراً بين الأجيال، وتمنح العملية السياسية نوعاً من الاستقرار والرصانة.

إن عودة خيرات عبر حزب التقدم والاشتراكية تضع الجميع أمام اختبار حقيقي: الحزب مطالب بتحويل هذه الخطوة إلى مشروع سياسي واضح المعالم في سطات، والرجل مطالب بإقناع الناخبين بأن حضوره لن يكون رمزياً، بل فعلياً ومؤثراً، والناخب السطاتي مدعوّ إلى تقييم التجربة بميزان المصلحة العامة.

في النهاية، لا أحد يملك صكّ النجاح المسبق. لكن في السياسة، كما في الأمثال الشعبية، قد تكون “الخيرات” فألاً حسناً. وسطات، وهي تستعد لانتخابات 2026، تنتظر أن تتحول الأسماء إلى أفعال، والوعود إلى إنجازات.

فهل تكون عودة عبد الهادي خيرات خيرا على الإقليم؟

ذلك سؤال ستجيب عنه صناديق الاقتراع… لكن المؤكد أن حضوره أعاد الحرارة إلى نقاش سياسي كان في حاجة إلى نفسٍ جديد، حتى وإن جاء من تجربةٍ قديمة.