بلا قيود

هل تصمد العلاقات المغربية–السنغالية أمام تغيّر الأجيال؟

يخطئ من يعتقد أن العلاقات بين الدول تُقاس بمدى الانسجام العاطفي بين القادة، أو تُختزل في صور المصافحات والزيارات الرسمية. فالعلاقات الدولية، في جوهرها، ليست تعبيراً عن المزاج السياسي العابر، بل نتاج تفاعل معقّد بين بنية الدولة، وتحولات المجتمع، وتغيّر النخب، وسياقات إقليمية ودولية متحركة. ومن هذا المنطلق، تفرض العلاقات المغربية–السنغالية اليوم سؤالاً مركزياً: هل تصمد هذه العلاقة الاستراتيجية أمام تحوّل الأجيال وتبدل النخب السياسية؟

إن مقاربة المشهد السياسي السنغالي الراهن بعين القلق أو الريبة لا تخدم الفهم السليم بقدر ما تعكس ارتباكاً في القراءة. فما تعيشه السنغال اليوم لا يُمثل قطيعة مع تاريخها الدبلوماسي، ولا انقلاباً على إرثها السياسي، بل يُجسّد مساراً طبيعياً لتداول النخب داخل نظام جمهوري عرف، منذ الاستقلال، قدراً من الاستقرار المؤسسي والنضج الديمقراطي.

لقد شكّلت السنغال، عبر عقود، أحد أعمدة الاعتدال السياسي في غرب إفريقيا، وقادها رجال دولة امتلكوا رؤية استراتيجية لمكانة بلادهم في القارة والعالم. من ليوبولد سيدار سنغور، الذي جمع بين العمق الإنساني والبعد الإفريقي المتصالح مع ذاته، إلى عبدو ضيوف، ثم عبد الله واد، وصولاً إلى ماكي سال؛ ظلّ المغرب حاضراً في الوعي السياسي السنغالي بوصفه شريكاً موثوقاً، وفاعلاً قارياً يمتلك امتداداً روحياً واقتصادياً وسياسياً مؤثراً.

غير أن السياسة لا تعترف بالاستمرارية الشخصية، بل بالاستمرارية المؤسساتية. وما يشهده النظام السياسي السنغالي اليوم هو انتقال طبيعي نحو جيل جديد من الفاعلين السياسيين، جيل لم يتشكّل وعيه في سياق ما بعد الاستقلال، ولا يحمل بالضرورة نفس الذاكرة الرمزية تجاه الشراكات التاريخية، لكنه يتحرك بمنطق مختلف، قوامه البراغماتية، وحساب الكلفة والعائد، وربط السياسة بنتائج ملموسة.

وهنا، يبرز التباين البنيوي بين طبيعة النظام الملكي المغربي، القائم على الاستمرارية التاريخية والشرعية الرمزية العابرة للأجيال، وبين النظام الجمهوري السنغالي، الذي تُعيد فيه صناديق الاقتراع تشكيل النخب وتغيير الأولويات وفق مزاج انتخابي متحوّل، خاصة مع صعود جيل شاب بلغة سياسية جديدة، أقل عاطفية وأكثر واقعية. هذا التباين لا ينبغي أن يُقرأ كعامل تصادم، بل كمعطى موضوعي يستدعي أدوات اشتغال دبلوماسية مختلفة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في استدعاء خطاب الماضي، ولا في الاتكاء على رمزية العلاقات التاريخية، بل في إعادة هندسة العلاقة المغربية–السنغالية على أسس مؤسساتية صلبة. فالعلاقات التي تُبنى على الروابط الشخصية تظل عرضة للاهتزاز مع تغيّر الأشخاص، بينما العلاقات القائمة على تشابك المصالح الاقتصادية، والتكامل الأمني، والتعاون الثقافي والمعرفي، تتحول إلى علاقات بنيوية يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها.

في هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة لتعميق الحضور المغربي داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي السنغالي، ليس بمنطق الامتياز أو الوصاية، بل بمنطق الشراكة المتكافئة طويلة الأمد. حضور يستند إلى الاستثمار المنتج، والتعاون الجامعي والعلمي، وتبادل الخبرات، وتعزيز الروابط الروحية والثقافية التي شكّلت تاريخياً أحد أعمدة هذا التقارب.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن السياق الجيوسياسي الإقليمي، حيث تترقب قوى إقليمية ودولية أي فتور محتمل في محور الرباط–دكار، أملاً في إعادة ترتيب الاصطفافات أو ملء الفراغ. غير أن مواجهة هذه الرهانات لا تكون بالانفعال أو الخطاب السيادي المتشنج، بل بتعزيز منسوب الثقة، وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار طويل الأمد.

وتظل قضية الصحراء المغربية، في قلب هذا التحليل، الاختبار الحقيقي لصلابة الشراكة. فالمغرب، وهو يحترم السيادة الكاملة للسنغال في اختياراتها السياسية، لا يمكنه القبول بتحويل وحدته الترابية إلى ملف قابل للمناورة أو التسييل السياسي. لقد شكّل الموقف السنغالي الداعم لمغربية الصحراء، عبر مختلف الحكومات، ثابتاً دبلوماسياً راسخاً، والتحدي اليوم هو ضمان انتقال هذا الثابت إلى وعي الجيل السياسي الجديد.

إن إقناع هذا الجيل لا يتم عبر استدعاء النوستالجيا الدبلوماسية، بل عبر ربط قضية الصحراء بمنطق الاستقرار الإقليمي، والتنمية المشتركة، والأمن الجماعي في غرب إفريقيا والساحل. فالوحدة الترابية للمغرب ليست قضية سيادة وطنية فحسب، بل عنصر توازن في معادلة أمنية إفريقية دقيقة.

وخلاصة القول، إن العلاقات المغربية–السنغالية تقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن تظل رهينة منطق الأشخاص والرموز، أو أن ترتقي إلى مستوى الشراكة المؤسساتية العميقة. والحكمة السياسية تقتضي البناء على إرث الآباء المؤسسين، لا لتكريس الجمود، بل لصياغة علاقة قادرة على استيعاب تحولات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل. علاقة تتجاوز الأسماء، وتصمد أمام تغيّر الأجيال، وتبقى وفية لجوهرها الاستراتيجي: الثقة، الوضوح، الاحترام المتبادل، ووحدة المصير الإفريقي.