بهدوء..جمعية الناشرين تقول ما لم يقل سياسياً

في بلاغٍ صامت النبرة، صاخب الدلالات، خرجت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين يوم الجمعة 23 يناير 2026 لتقول ما لم يُقَل سياسيًا، وتُسمّي ما جرى دون أن تذكر الأسماء. بلاغٌ في ظاهره مهني، لكنه في عمقه تشريح بارد لسلوك سياسي انتقائي حوّل الصحافة من ركيزة ديمقراطية إلى ورقة اختبار للقوة.
البلاغ يبدأ من نقطة قانونية دقيقة: تثمين قرار المحكمة الدستورية، باعتباره قرارًا أعاد الاعتبار لمبدأي الشرعية والمشروعية، وكرّس احترام القواعد المؤطرة للتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر. هذا الاستهلال ليس مجاملة للمؤسسة الدستورية، بل تأسيس واعٍ لخطابٍ يقول ضمنًا: الدستور ليس حكرًا على أحد، ولا يُستعمل حسب الطلب.
لكن سرعان ما ينتقل البلاغ من التثمين إلى القلق، ومن القانون إلى السياسة، حين يضع الأصبع على جوهر المشكلة: المنهج الانتقائي الذي اعتمدته بعض مكونات الفاعل السياسي، عبر إحالة قانون المجلس الوطني للصحافة وحده إلى المحكمة الدستورية، مع التغاضي عن قوانين أخرى لا تقل أهمية ولا تأثيرًا على الحياة العامة. هنا بالضبط، يغادر النص دائرة المهني إلى فضاء القراءة السياسية.
فالانتقائية، في السياق السياسي المغربي، ليست خطأً إجرائيًا بريئًا، بل اختيارًا محسوبًا. والبلاغ حين يتحدث عن “كيل بمكيالين” و“حسابات سياسوية ضيقة بخلفيات غير بريئة”، فهو لا يصف حالة، بل يتهم سلوكًا. اتهامٌ مفاده أن الصحافة لم تُستهدف دفاعًا عن الدستور، بل لأنها الحلقة الأضعف سياسيًا، والأقل كلفة جماهيريًا.
سياسيًا، ما وقع يمكن تلخيصه ببساطة قاسية:
المعارضة لم تُحِل قانون المجلس الوطني للصحافة لأنه الأخطر دستوريًا، بل لأنه الأسهل تعطيلًا؛
الصحافة استُعملت كرسالة سياسية صامتة: نستطيع شل قطاع كامل دون أن نخسر شيئًا؛
توقيت الإحالة، وطريقة تجميع التوقيعات، ثم التراجع اللاحق عن ملتمس الرقابة، كلها عناصر تُفكك وهم “المعركة المبدئية”، وتكشف منطق المقايضة السياسية الباردة.
البلاغ لا يصرخ، لكنه يُحصي الخسائر، وكأن الأرقام أبلغ من الشعارات. توقيف تسليم البطاقات المهنية وبطاقات القطار، عدم صرف أجور موظفي المجلس الوطني للصحافة لأكثر من ثلاثة أشهر، وتعطيل مسار الاتفاقيات الجماعية… هذه ليست اختلالات تقنية، بل نتائج سياسية مباشرة لقرار تعطيل المسار المؤسساتي.
وعندما يستعمل البلاغ مفهوم “الزمن المهني”، فهو يقدّم واحدة من أدق المفاتيح التحليلية: ما مورس ضد الصحافة ليس قمعًا فجًّا، بل عنف سياسي ناعم. لا منع، لا اعتقال، لا قرار صريح… فقط شلل بارد، يقتل المهنة ببطء، ويستنزف المقاولات، ويدفع الصحافيين إلى الهشاشة دون ضجيج.
سياسيًا، هذا البلاغ يقوم بثلاث عمليات متقدمة:
يسحب من بعض مكونات المعارضة احتكار الخطاب الأخلاقي باسم الدستور؛
يعيد تعريف الصراع من كونه “قانونًا ضد قانون” إلى كونه سياسة ضد مهنة؛
ويضع الرأي العام أمام سؤال جوهري: من يدافع فعلًا عن الديمقراطية؟ ومن يستعملها أداة ضغط وانتقاء؟
وحين تختم الجمعية بلاغها بعبارة: “الصحافة ليست ورقة تفاوض… وليست صندوق رمل لتجارب السياسيين”، فهي لا تُوجّه رسالة مهنية فقط، بل تُطلق تحذيرًا تاريخيًا. لأن العبث بالصحافة، في كل التجارب، كان دائمًا مقدمة لعبثٍ أوسع بالمجال العام.
الخلاصة السياسية القاسية، التي يقولها البلاغ دون أن يكتبها حرفيًا، هي الآتية:
الصحافة عوقبت لأنها بلا كتلة انتخابية، ولأن ضربها لا يُسقط حكومة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي… ليس على قطاعٍ مهني فحسب، بل على معنى الديمقراطية ذاته.


