غيابُ شعار SNRT عن كأس إفريقيا يسائل العرايشي

لم يكن اختفاء شعار الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة من لوحات التصريحات الصحفية التي تظهر خلف المدربين واللاعبين خلال مباريات كأس أمم إفريقيا المنظمة بالمغرب مجرد تفصيل إخراجي عابر أو خطأ تقني معزول، بل شكّل مؤشراً بصرياً دالاً على قرار مؤسساتي ثقيل، اتُّخذ في الكواليس بعد أن فشل الإعلام العمومي في فرض نفسه فاعلاً رسمياً داخل منظومة الإنتاج والبث الخاصة بهذه التظاهرة القارية.
فاللوحات الخلفية للتصريحات الصحفية ليست فضاءً محايداً ولا ديكوراً عشوائياً، بل واجهة تعاقدية تخضع لقواعد صارمة في مجال الحقوق التجارية والتسويقية، يشرف عليها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أو من يفوضه رسمياً. ومن ثم، فإن الجهات التي تظهر شعاراتها على هذه اللوحات هي تلك التي تحظى بصفة الشريك المعتمد أو المنتج الرسمي أو المالكة لحقوق البث. وبالمقابل، فإن تغييب شعار القناة العمومية المغربية يؤكد، من دون حاجة إلى تأويل، أنها لم تعد معترفاً بها كمنتج مضيف ولا كشريك تقني في هذه البطولة.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا الإقصاء لم يكن وليد الصدفة، بل جاء مباشرة بعد إعداد تقرير تقني وُصف بـ«الأسود»، أنجزه خبير تابع للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تقرير حاسم وضع حداً لأي رهان على جاهزية الإعلام العمومي. فقد كشف التقرير، بلغة تقنية دقيقة، أن المعدات التي تم اقتناؤها من الهند لا تتلاءم مع المعايير الدولية المعتمدة في التظاهرات الكروية الكبرى، سواء من حيث الجودة أو الموثوقية أو القدرة على الاشتغال المتزامن في عدة مواقع. كما أكد أن هذه التجهيزات غير كافية لتأمين بث متكامل لمباريات تُقام في ثمانية أو تسعة ملاعب مختلفة، وفي توقيتات متقاربة، وهو ما يجعل الاعتماد عليها مغامرة حقيقية تهدد صورة البطولة والبلد المنظم.
اللافت في هذا السياق أن هذه الخلاصات الصادمة سُجلت رغم توصل فيصل العرايشي بميزانية وُصفت بالضخمة، رُصدت خصيصاً من أجل الاستعداد لهذه التظاهرة القارية التي تحتضنها المملكة. ميزانية كان يُفترض أن تمكّن الإعلام العمومي من تحديث معداته، ورفع جاهزيته، ومواكبة المعايير الدولية، وجعل القناة العمومية واجهة مشرفة لبلد يراهن على صورته القارية والدولية. غير أن الواقع كشف عن اختيارات تقنية غير موفقة، وضعف في التخطيط، وغياب رؤية استراتيجية تواكب حجم الرهان، ما جعل النتائج دون مستوى التطلعات.
وقد خلّفت هذه الوضعية سخطاً وغضباً كبيرين في صفوف المسؤولين، خاصة وأن المغرب كان قد بذل مجهودات جبارة، وسابق الزمن، وشيد بنية تحتية رياضية حديثة، وقدم ملاعب أبهرت المتابعين والخبراء، في إطار استعدادات شاملة هدفت إلى إنجاح التظاهرة على جميع المستويات. وفي هذا السياق، تفيد نفس المعطيات أن فوزي لقجع تدخل شخصياً لتدارك الوضع، وتفادي سيناريو كارثي جديد قد يُسجل في خانة الإخفاقات الإعلامية، خصوصاً أن أي تعثر في البث كان سيُفرغ كل هذه المجهودات من مضمونها.
فكان القرار الحاسم هو التعاقد، بشكل استعجالي، مع ثلاث شركات أجنبية متخصصة، فرنسية وإيطالية وإسبانية، لتولي مهام الإنتاج والبث والتغطية، في خطوة وُصفت بأنها إجراء وقائي لتفادي فضيحة أخرى يكون بطلها الإعلام العمومي. قرار لم يكن موجهاً ضد مؤسسة بعينها بقدر ما كان موجهاً لحماية صورة المغرب، وضمان بث يرقى إلى مستوى تنظيم قاري يتابعه الملايين.
المشهد بدا متناقضاً إلى حد الصدمة: دولة نجحت في التنظيم والبناء والتجهيز، ووفرت ملاعب وبنيات تحتية بمعايير عالمية، وفي المقابل إعلام عمومي عجز عن مواكبة هذا النجاح، برؤية ضعيفة وجاهزية تقنية محدودة، فتحول من رافعة محتملة إلى نقطة ضعف كادت أن تُحبط مجهودات سنوات من العمل والاستثمار.
وبهذا المعنى، فإن غياب شعار الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة من لوحات التصريحات لم يكن مجرد إقصاء رمزي، بل شهادة إدانة صامتة لسوء التدبير، ودليلاً مادياً على فقدان الثقة في قدرة القطب العمومي على تحمل مسؤولية بحجم كأس أمم إفريقيا. فالسيادة الإعلامية لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطاب، بل بالجاهزية والكفاءة والقدرة على احترام المعايير الدولية، وحين تغيب هذه العناصر تغيب الصورة… وتغيب معها الرمزية.
ما حدث يفتح اليوم أسئلة ثقيلة ومشروعة حول المسؤوليات، وحول مصير الميزانيات المرصودة، وحول مستقبل الإعلام العمومي في التظاهرات الكبرى، لأن المؤكد أن المغرب نجح في التنظيم، لكن إعلامه العمومي غاب عن الواجهة، في لحظة كان يُفترض أن يكون فيها في صلب الصورة لا خارجها.


