من نجم الدين إلى مكرم..جامعة سطات تاريخ من التستر

ليست جامعة الحسن الأول بسطات مجرّد مؤسسة أكاديمية عمومية، بل تحوّلت، عبر سنوات متعاقبة من التدبير، إلى نموذج إشكالي يختزل أعطاب الحكامة الجامعية، حيث ظلّ التستر على الاختلالات عنواناً عريضاً، بصرف النظر عن الأسماء التي تداولت على رئاستها. من أحمد نجم الدين، مروراً بخديجة الصافي، وصولاً إلى عبد اللطيف مكرم، تتقاطع المعطيات والوثائق لتكشف خيطاً ناظماً واحداً: التغاضي عن الفساد بدل مواجهته.
أحمد نجم الدين: التكوين المستمر… بوابة الريع الأكاديمي
قضى أحمد نجم الدين، الرئيس الأسبق لجامعة الحسن الأول، سنوات طويلة على رأس المؤسسة، كان خلالها أحد مهندسي صيغة التكوين المستمر، التي تحوّلت – بحسب معطيات حصلت عليها “زون24” – إلى مورد مالي ضخم خارج منطق الرقابة الصارمة.
وتفيد نفس المعطيات أن نجم الدين ربط شراكة مع شركة يملكها صديق له، كان موظفاً بسيطاً بوزارة الفلاحة، قبل أن يصبح، في ظرف سنوات قليلة، من أصحاب الملايين. صيغة التكوين المستمر، التي يفترض أن تكون رافعة للتكوين مدى الحياة، تحوّلت إلى مجال لتحقيق أرباح طائلة، وسط تساؤلات حول شروط الإسناد، وغياب المنافسة، وضعف الشفافية.
خلال تلك المرحلة، كشفت فصائل من الحركة الطلابية، من بينها منظمة التجديد الطلابي المحسوبة على حزب العدالة والتنمية، عن فضائح واختلالات داخل الجامعة، غير أن الرئاسة آنذاك اختارت سياسة الصمت والتجاهل. كما أن التعيينات في مناصب المسؤولية، التي كان يقرّها نجم الدين، عكست – وفق متتبعين – منطق الولاء أكثر من منطق الكفاءة، ما عزّز ثقافة الإفلات من المساءلة.
خديجة الصافي: الانتماء الحزبي بدل الكفاءة؟
مع وصول خديجة الصافي إلى رئاسة الجامعة، بدا للبعض أن مرحلة جديدة ستنطلق، غير أن الوقائع سرعان ما خيّبت الآمال. فحسب مصادر “زون24”، لم يكن تعيين الصافي نتيجة مسار أكاديمي أو تدبيري متميّز بقدر ما ارتبط بانتمائها إلى حزب الحركة الشعبية، وبعلاقتها السياسية بالوالي الحالي سعيد أمزازي، الذي شغل حينها منصب وزير التربية الوطنية والتعليم العالي في حكومة سعد الدين العثماني.
الأخطر أن الرئيسة السابقة توصلت، منذ بداية ولايتها، بحزمة وثائق خطيرة تتعلق باختلالات جسيمة داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات. غير أن هذه الوثائق، بحسب نفس المصادر، وُضعت في الأدراج، بناءً على نصيحة من زوجها الذي كان يشتغل مساعداً لها، مفضّلاً “عدم نبش الماضي” واستغلال الفرص المتاحة “دون ضجيج”.
فضائح مدوية… وإنكار رسمي
في مطلع سنة 2021، تفجّرت فضيحة “الجنس مقابل النقط”، ثم تلتها فضيحة “المال مقابل النقط”، وهي ملفات تولّت التحقيق فيها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تحت إشراف أحد أبرز محققيها. وأسفرت التحقيقات عن متابعة عدد من الأساتذة، أُدين بعضهم بعقوبات سالبة للحرية، فيما جرى طرد آخرين من الوظيفة العمومية.
غير أن ما يثير التساؤل، هو أن خديجة الصافي كانت قد توصلت، قبل تفجّر هذه الفضائح، بمعطيات دقيقة حول الخروقات، دون أن تحرّك ساكناً. بل أكثر من ذلك، تفيد وثائق بأن الرئيسة السابقة أنكرت، أمام الضابطة القضائية، وجود مراسلات تتعلق بالتزوير كان قد وضعها أستاذ للتعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية. هذه المراسلات، التي توصلت بها الفرقة الوطنية بنسخ منها، شكل إنكارها نقطة تحوّل خطيرة.
هذا المعطى دفع عبد اللطيف الميراوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى إعفاء الصافي من مهامها، وتعيين جمال الزاهي بالنيابة. غير أن الزاهي، بحسب متتبعين للشأن الجامعي، يطمح اليوم إلى عمادة كلية الاقتصاد والتدبير لولاية ثانية، رغم تقييم ولايته الأولى بالفاشلة على عدة مستويات.
عبد اللطيف مكرم: خطاب الإصلاح وسقوط في أول امتحان
مع تعيين عبد اللطيف مكرم رئيساً لجامعة الحسن الأول، ارتفعت نبرة الخطاب حول الإصلاح ومحاربة الفساد وإعادة بناء الثقة داخل الجامعة. غير أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الواقع لم يكن في مستوى الشعارات.
فالرئيس الحالي، الذي كان من المفترض أن تنتهي مهامه في 31 دجنبر 2025، استفاد – بحسب مصادر متطابقة – من تدخلات و“ترغيب وترهيب” قادها مقربون من رئيس الحكومة لتمديد بقائه. والأخطر أن مكرم لم يخرج عن القاعدة ذاتها: التستر على ملفات موثقة.
آخر هذه الملفات، مراسلات رسمية أودعها أستاذ جامعي أحيل على التقاعد في فاتح شتنبر 2025، تتعلق باختلالات خطيرة داخل كلية العلوم القانونية والسياسية، غير أن الرئاسة لم تتفاعل معها. كما يطرح صمت مكرم تجاه ما يُنسب إلى حسنة كجي، عميدة الكلية نفسها، أسئلة محرجة حول دوافع هذا الغطاء، رغم وفرة المعطيات والوثائق.
النيابة العامة… الملاذ الأخير
أمام هذا المسار المقلق، لا يبدو أن الحلّ يكمن داخل أسوار الجامعة، بقدر ما يتطلب تدخلاً حازماً من السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات، من أجل حماية الجامعة من الانزلاقات والتجاوزات.
وتكشف مصادر “زون24” عن إساءات متكررة لمؤسسة النيابة العامة، والضرب في استقلاليتها، من طرف أستاذ جامعي حديث العهد بالتوظيف، يدّعي امتلاكه علاقات نافذة داخل الجهاز القضائي، ويقدّم نفسه كقادر على “إنهاء المشاكل”. وهي ادعاءات، إن صحت، تشكّل خطراً مضاعفاً، لكنها – حسب نفس المصادر – لن تنال من الصورة الإيجابية للنيابة العامة، ولا من نزاهة السيد وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بسطات.
من نجم الدين إلى مكرم، يتكرّر السيناريو ذاته: ملفات موثقة، شكايات، مراسلات… وصمت. جامعة الحسن الأول ليست في حاجة إلى خطابات جديدة، بل إلى قطيعة حقيقية مع منطق التستر، وربط صارم للمسؤولية بالمحاسبة. فإما أن تستعيد الجامعة دورها كمؤسسة للعلم والنزاهة، أو تظل عنواناً لفشلٍ يتجدّد بأسماء مختلفة.


