بيئة وعلوم

ستة أشهر على نهاية الولاية..وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

في 02 يونيو 2022، صادق المجلس الحكومي على تعيين الدكتورة حسنة كجي عميدةً لكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، في لحظة قُدّمت آنذاك باعتبارها بداية مرحلة جديدة بعد واحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخ الكلية. تعيينٌ جاء مثقلاً بالانتظارات، ومشحوناً بآمال الإصلاح، في مؤسسة اهتزّ اسمها بقوة داخل الجامعة المغربية وخارجها.

اليوم، ونحن على بعد ستة أشهر فقط من نهاية ولايتها، يفرض السياق نفسه بقوة: ماذا تحقق فعلاً؟ وماذا تبقّى من وعود قُطعت يوم التنصيب؟ فالزمن الذي كان يُنظر إليه في البداية كفرصة للبناء، صار اليوم زمناً للمساءلة واستحضار الحصيلة، لا بمنطق التصفيات، بل بمنطق الذاكرة والمسؤولية.

جاءت العمادة في أعقاب ملفات ثقيلة، على رأسها فضيحة “الجنس مقابل النقط”، وما رافقها من متابعات قضائية وإعفاءات وصمت مؤلم. تلك الوقائع لم تكن مجرد حادث عابر، بل كشفت اختلالات عميقة في الحكامة، وفي ثقافة الإفلات من المحاسبة، وفي هشاشة آليات المراقبة داخل الكلية. وكان المنتظر أن تُفتح صفحة جديدة، واضحة المعالم، تقطع مع الماضي لا بالشعارات، بل بالإجراءات.

غير أن السنوات التي تلت التعيين، ومع اقتراب العدّ العكسي لنهاية الولاية، أظهرت أن جزءاً كبيراً من النواقص البنيوية ظل قائماً. شكايات الطلبة لم تختفِ، والحديث عن ضعف التواصل الإداري والبيداغوجي استمر، كما أن الثقة التي تضررت بفعل الفضائح لم تُرمَّم بما يكفي. الإصلاح العميق الذي كان يُنتظر، بدا في كثير من محطاته متردداً، أو محكوماً بمنطق تدبير اليومي بدل الجرأة على فتح الملفات الحساسة.

الأكثر إثارة للانتباه، أن خيبة الأمل لم تصدر فقط عن خصوم أو منتقدين، بل عن أقرب المقرّبين، وعن أسماء كانت تُحسب على دائرة الثقة والدعم. خذلانٌ صامت، تجلّى في انسحاب تدريجي، وفي برودة المواقف، وفي شعور عام بأن من راهنوا على تغيير حقيقي وجدوا أنفسهم خارج الحسابات، أو في الهامش، بعد أن استُنفدت أدوارهم.

ومع اقتراب نهاية الولاية، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل استُثمر الزمن المتاح كما ينبغي؟ وهل استُعملت الصلاحيات لإعادة بناء الكلية على أسس النزاهة والشفافية، أم أن الكرسي، في لحظة ما، صار أثقل من مشروع الإصلاح نفسه؟ فالإدارة الجامعية لا تُقاس فقط بعدد الأنشطة أو البلاغات، بل بقدرتها على مواجهة الاختلالات، وحماية سمعة المؤسسة، والإنصات الحقيقي لنبض الطلبة والأساتذة.

العودة إلى لحظة التعيين اليوم ليست ترفاً ولا استدعاءً للماضي، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. ستة أشهر قبل وداع الكرسي ليست زمناً للراحة، بل فرصة أخيرة لترتيب الإرث، وتدارك ما يمكن تداركه، أو على الأقل ترك صورة مسؤولة عن مرحلة لم تكن سهلة.

وإذا كان في الذكرى معنى، فهي هنا تذكير بأن المناصب زائلة، وأن ما يبقى هو الأثر. والذكرى، حين تُستحضر بصدق، قد تنفع المؤمنين بالإصلاح… قبل أن يحكم عليهم التاريخ بصمت لا يرحم.