الأحرار يتفوّق على البيجيدي..التفاصيل

ليس من السهل، في السياسة، الفصل بين الانطباع العام والمعطيات الملموسة، غير أن سنة 2025 قدّمت مؤشرات ميدانية واضحة تجعل القول بتفوّق حزب التجمع الوطني للأحرار على حزب العدالة والتنمية أمراً قابلاً للدفاع عنه سياسياً وتحليلياً. هذا التفوّق لا يُقاس بنتائج انتخابية لم تأت بعد، بل يُقاس بما سبقها: الحضور، الانتشار، والقدرة على تنظيم الفعل الحزبي في الفضاء العام.
في هذه السنة، اشتغل الحزبان بمنطقين مختلفين تماماً. التجمع الوطني للأحرار تحرّك باعتباره حزباً يقود الحكومة، ويعتبر نفسه مطالباً بشرح اختياراته والدفاع عن حصيلته والاقتراب من المواطنين بلغة الإنجاز والأرقام. في المقابل، ظل حزب العدالة والتنمية يتحرّك بمنطق حزب يعيد ترتيب بيته الداخلي بعد نكسة انتخابية قاسية، ويضع أولوية واضحة لإعادة بناء التنظيم ولمّ الصفوف قبل التوجّه بقوة إلى الرأي العام.
هذا الفرق في المنطلق انعكس بوضوح على مستوى الحضور الميداني. فقد أطلق الأحرار جولة وطنية واسعة تحت عنوان “مسار الإنجازات”، شملت حوالي اثنتي عشرة محطة جهوية كبرى، امتدت على مدى يقارب تسعة أشهر، وغطّت مختلف جهات المملكة تقريباً. هذه اللقاءات لم تكن مناسبات تنظيمية مغلقة، بل محطات تواصل جماهيري مفتوحة، حضرها رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والقيادات الحزبية، وحظيت بتغطية إعلامية وازنة جعلتها أحداثاً سياسية قائمة بذاتها.
في المقابل، نظّم حزب العدالة والتنمية سلسلة من اللقاءات الجهوية والإقليمية، يُقدَّر عددها بين سبعة وتسعة لقاءات بارزة خلال السنة، موزعة على عدة جهات. غير أن طبيعة هذه اللقاءات كانت في الغالب تنظيمية داخلية، موجهة للمناضلين والمنتخبين الحزبيين، وتركّز على إعادة التعبئة، تأطير الهياكل، واستعادة الانضباط التنظيمي. وهو خيار مفهوم في سياق الحزب، لكنه أقل تأثيراً من حيث الحضور الجماهيري وصناعة النقاش العمومي.
الأرقام وحدها كاشفة لهذا الفارق. فالأحرار تفوّقوا من حيث عدد المحطات الجهوية الكبرى، ومن حيث الاستمرارية الزمنية للنشاط، ومن حيث اتساع الجمهور المستهدف. كما أن حضور رئيس الحكومة شخصياً في كل لقاءات “مسار الإنجازات” منح الحزب قوة رمزية إضافية، وكرّس صورته كفاعل سياسي وطني يقود النقاش ولا يكتفي بالتفاعل معه.
أما العدالة والتنمية، فرغم انتشاره الجغرافي الواسع وانضباط هياكله، ظل حضوره محدود الصدى خارج الدائرة الحزبية. فغياب اللقاءات الجماهيرية المفتوحة، وضعف التغطية الإعلامية مقارنة بالأحرار، جعلا تحركاته أقل حضوراً في الوعي العام، رغم أهميتها التنظيمية الداخلية.
الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن سنة 2025 كانت سنة تفوّق ميداني وتواصلي للتجمع الوطني للأحرار على حزب العدالة والتنمية. تفوّق لا يعني حسم الصراع السياسي ولا يختزل مستقبل الاستحقاقات القادمة، لكنه يعكس بوضوح من نجح في استثمار الزمن السياسي قبل الانتخابات، ومن لا يزال منشغلاً بإعادة ترتيب أوراقه. في السياسة، كما في الرياضة، من يفرض الإيقاع مبكراً لا يضمن الفوز، لكنه يدخل السباق بأفضلية نفسية وتنظيمية يصعب إنكارها.


