لله في خلقه شؤون

حين يتأمل المرء في مجريات الحياة وتقلّب أحوالها، يدرك أن القوةَ لله وحده، وأن حضورَه في تفاصيل الوجود أعظمُ من أن يُحَدّ أو يُختزل في حدود إدراك البشر. فمنه الحكمةُ التي تُسيّر الكون، ومنه الرزقُ الذي يقسمه بين عباده كيف يشاء، ومنه اللطفُ الذي يرافق المؤمن في شدّته قبل رخائه.
إن لله في خلقه شؤوناً لا تُدرَك بأوهام القوى الدنيوية، ولا تُختصر في قرارٍ إداري أو حكمٍ قضائي أو مكيدةٍ تُحاك في الظلام. وما يظنه الإنسان نهايةً، قد يكون في علم الله بدايةً جديدة تُظهِر الحق وتكشف المستور وتعيد ترتيب الموازين.
في عام 2014، حين كنتُ طالباً في سلك الإجازة بكلية الحقوق في سطات، كنتُ أعيش تلك المرحلة بكل يقين الشباب وبكل جرأة القناعة. كنتُ ناشطاً طلابياً معروفاً داخل رحاب الكلية، أعبّر عن مواقفي بكل وضوح ولا أخشى تبعاتها، مهما كان نوع القرار الذي قد يتّخذه مجلس الكلية — حتى وإن كان طرداً. لم تكن السلطة الجامعية ولا الإدارية قادرة على إخضاع صوتي أو دفعه إلى الصمت، لأنني كنت أؤمن أن الحق يُقال، وأن الجهر به أقلّ واجبٍ يُنتظر من طالب قانون يفترض فيه أن يدافع عن عدالة الفكرة قبل نصوصها.
كانت تلك الفترة مشتعلةً بملف اعتداء أساتذة على طالبات، ملفٌّ كان يدوّي في سطات وخارجها، يتناقله الجميع من المقاهي إلى المدرجات، من الصحافة إلى الأحاديث الخاصة. كان الرأي العام حينها يتساءل كيف يمكن لأستاذ جامعي أن يتحوّل من مؤتمن على المعرفة إلى متحصّن خلف نفوذٍ يختبئ في دهاليز العلاقات المشبوهة. فقد كانت شبكة الحماية التي تحيط ببعض هؤلاء الأساتذة تمتد إلى عناصر في الشرطة وإلى أطراف داخل النيابة العامة، وصولاً إلى قضاة يسهّلون طي الملفات أو تحويلها إلى سراب.
لكن دوام الحال من المحال. ففي سنة 2021، سيتهاوى هذا “التحالف الخفي” سقوطاً مدوّياً في قضية هزّت المغرب: ملف “الجنس مقابل النقاط”. هؤلاء الذين كانوا بالأمس يظنون أنفسهم فوق القانون، أو على الأقل في منطقة رمادية لا تطالها المساءلة، وجدوا أنفسهم داخل قفص الاتهام، تتلى أسماؤهم في العلن، وتُنشر اعترافاتهم، وتُكشف مساراتهم الخفية التي جعلتهم يتحولون من أساتذة إلى متهمين. المصير كان واضحاً: أحكام قضائية، فقدان الوظيفة، تشويه السمعة، وتاريخ شخصي ومهني محطّم. بعضهم عاش عزلةً اجتماعية خانقة، وبعضهم غرق في الاكتئاب، وآخرون لا يزالون يواجهون تبعات أخلاقية وقانونية لم تنته بعد. لقد كان سقوطاً لا يشبه أي سقوط، لأنه سقوط من كان يجب أن يكون صانعاً للوعي لا بائعاً له.
لكن الأمر لم يتوقف عند تلك الحكاية التي أصبحت اليوم جزءاً من ذاكرة الجامعة. ففي رمضان المنصرم، وجدت نفسي داخل حلقة جديدة من حلقات الابتلاء التي تكشف معدن الرجال وتُظهِر كيف يتدبّر الله أمر عباده عندما يشتد الكرب. فقد قام أفراد—ضمنهم مسؤولون في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة—بالتخطيط لإدخالي السجن. كانت المؤامرة محكمة، تُدار بخيوطٍ خفية، تُهيّأ لها الاتهامات وتُجهّز لها المسرحيات. في لحظاتٍ كهذه، يدرك الإنسان أنه مهما بلغ من قوة الإرادة، فإنه يظلّ ضعيفاً أمام قدرة الله، وأن اللطف الإلهي وحده قادر على إسقاط سيناريوهات الظلم.
كانت بداية الأزمة محاولة تشويه، ثم محاولة تحريك مسطرة جاهزة بضغطٍ من أطراف أرادت تصفية حسابات مهنية وشخصية، مستغلةً نفوذها داخل مؤسسة إعلامية يفترض أنها ملكٌ لكل المغاربة، لا وسيلة لتصفية الحسابات. لكن ما لم يحسب له هؤلاء حساباً هو وجود رجال في الدولة يمتلكون الحكمة والنزاهة ويعرفون جيداً حدود السلطة ومسؤولية حماية الأفراد من الشطط. لولا هؤلاء، لكان مصيري مختلفاً، ولكان رمضان ذاك نقطة سوادٍ في سجلي الشخصي والمهني.
القضاء بدوره دخل على الخط، وجاء الحكم الابتدائي ليترك وراءه كثيراً من القيل والقال، خصوصاً أن الملف كان مشحوناً منذ بدايته ومحمولاً على خلفيات أكبر من مجرد واقعة. لكنني لم أفقد الثقة. فالقضاء مسار وليس لحظة، مراحل وليس مرحلة، وعدالةٌ لا تُقاس بمنطوقٍ أوليّ، بل بمآلات تقود إليها درجات التقاضي. وأنا اليوم أكثر إيماناً بأن الحق سيظهر، وأن الظلم لا يمكنه أن ينتصر مهما طال الزمن، لأن لله في خلقه شؤوناً لا يطّلع عليها إلا هو.
إن ما مررتُ به ليس استثناءً. هذا البلد شهد، ولا يزال يشهد، قصصاً كثيرة تُحاك فيها الخيوط في الخفاء قبل أن يكشفها الله على رؤوس الأشهاد. هناك دائماً من يظن أن السلطة تحميه، وأن العلاقات تنصره، وأن الملفات تُخيطها الأيادي التي تأتمر بأمره. لكن الحقيقة واحدة لا تتغير: لا حماية فوق حماية الله، ولا سلطة أقوى من عدالته، ولا مكيدة تنجح إذا كانت قائمة على الظلم.
وإذا كانت تجربة الجامعة في 2014 قد علمتني أن الظلم مهما طال فله نهاية، فإن تجربة 2021 وملف “الجنس مقابل النقاط” أكدت لي أن الزمن كفيل بفضح كل من يعتقد أن النفوذ درعه الواقي. أما تجربة رمضان الماضي، فقد جعلتني أزداد يقيناً بأن الله لا يترك عبده، وأنه، في لحظة ما، يجعل من حيث لا يحتسب نوراً يبدد ظلام المكائد.


