مجتمع

الطلاق في المغرب سنة 2024.. أرقام مقلقة تنذر بتفكك اجتماعي متصاعد

تعيش الأسرة المغربية واحدة من أصعب مراحلها في العقد الأخير، إذ تكشف الأرقام الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن سنة 2024 كانت سنة ثقيلة من حيث معدلات الطلاق والتطليق، ما يثير تساؤلات عميقة حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تدفع الأزواج إلى إنهاء حياتهم المشتركة بهذه الوتيرة المرتفعة.

فوفقاً للمعطيات الرسمية، تم خلال سنة 2024 تسجيل أزيد من 400 حالة طلاق وتطليق يومياً، أي ما يعادل ما يقارب 150 ألف حالة في السنة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ القضاء المغربي الحديث. فقد بلغ عدد قضايا الطلاق المسجلة 40.214 قضية، بمعدل يفوق 110 حالة في اليوم الواحد، في حين سُجّلت 107.681 قضية تطليق، أي بمعدل يقارب 300 حكم تطليق يومياً.

اللافت في هذه المعطيات أن الطلاق الاتفاقي، الذي يفترض أن يكون الأكثر سلمية بين الأزواج، استأثر بحوالي 96 في المئة من مجموع حالات الطلاق، ما يعكس نوعاً من “التوافق على الانفصال” بدل “التوافق على الاستمرار”. وفي المقابل، يُظهر الجانب الأكثر إيلاماً في هذه الإحصاءات أن التطليق للشقاق، الذي يُعد آخر الحلول في النزاعات الأسرية، يمثل أكثر من 97 في المئة من مجموع قضايا التطليق، ما يعني أن الخلافات الزوجية باتت تنتهي غالباً في ردهات المحاكم وليس في جلسات الصلح أو الحوار الأسري.

هذه الأرقام المقلقة تكشف عن تحول عميق في بنية العلاقات الأسرية بالمغرب، حيث تزايدت هشاشة الروابط الزوجية أمام ضغوط الحياة اليومية، وغلاء المعيشة، وتبدّل القيم الاجتماعية، وضعف التواصل بين الأزواج. كما أن ارتفاع معدلات الطلاق بين الفئات الشابة يعكس أزمة في التهييء النفسي والاجتماعي للزواج، الذي لم يعد يُنظر إليه كـ”مشروع حياة”، بقدر ما أصبح في نظر البعض تجربة قابلة للانتهاء عند أول خلاف.

إن تفاقم هذه الظاهرة يستدعي تدخلاً متعدد الأبعاد، يجمع بين التوعية الأسرية، وإعادة النظر في آليات الوساطة والصلح، وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للمتزوجين، خصوصاً في السنوات الأولى من الزواج. فاستقرار الأسرة لا يهم الزوجين فقط، بل يمثل ركيزة لاستقرار المجتمع ككل، وأي خلل في هذا البناء ينعكس مباشرة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

وفي ظل استمرار الأرقام في التصاعد سنة بعد أخرى، يبدو أن الطلاق في المغرب لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح ظاهرة مقلقة تحتاج إلى نقاش وطني هادئ، يضع الأسرة المغربية في صلب السياسات العمومية، باعتبارها الحصن الأول ضد التفكك الاجتماعي.