هشام الصابري بين الثقافة القانونية والعمل السياسي

في المشهد السياسي المغربي الذي يشهد تحولات متسارعة على مستوى النخب والمسؤوليات، يبرز اسم هشام الصابري كأحد الوجوه الجديدة التي جمعت بين الثقافة القانونية الصارمة والخبرة الميدانية في العمل السياسي. مسار الرجل لا يقوم على الصدفة، بل على تراكم معرفي ومهني قاده من عالم التوثيق والقانون إلى دائرة القرار العمومي في وزارة الشغل والإدماج المهني، حيث أصبح اليوم واحداً من الأصوات التي يُنتظر أن تُحدث توازناً بين منطق السياسة ومنطق القانون، بين ضرورات التدبير ومتطلبات النزاهة والشفافية.
ينتمي هشام الصابري إلى جيل من الكفاءات التي صعدت من القاعدة المهنية إلى قمة المسؤولية العمومية. قبل أن يُعين كاتب دولة مكلفاً بالشغل في حكومة عزيز أخنوش، كان الصابري رئيساً للمجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب، وهي مؤسسة ذات وزن اعتباري في المشهد القانوني والمالي للبلاد، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يلعبه الموثقون في ضبط المعاملات العقارية والتجارية والمدنية، وحماية مصالح الأطراف وضمان الأمن التعاقدي. من خلال هذا الموقع، اكتسب الصابري خبرة عميقة في فهم التشريعات والممارسات القانونية، وعاش يومياً تفاصيل العلاقة بين الدولة والمواطن من زاوية دقيقة جداً، زاوية التوثيق كجسر بين الحقوق والالتزامات، بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي. هذه التجربة شكلت مدخلاً لتكوينه السياسي الهادئ، القائم على الانضباط والالتزام بالقانون قبل أي حساب حزبي أو انتخابي.
قبل دخوله إلى الحكومة، شغل هشام الصابري مقعداً برلمانياً عن دائرة بني ملال باسم حزب الأصالة والمعاصرة، حيث أبان عن قدرة تواصلية وموضوعية في النقاشات التشريعية، خصوصاً في اللجان المرتبطة بالشؤون الاجتماعية والقانونية. كان من الأصوات التي تدافع عن إصلاح المهن القانونية والمساعدة على العدالة، وعن تنظيم سوق الشغل بشكل يضمن الكرامة والعدالة للطبقة العاملة. في البرلمان، لم يكن الصابري مجرد نائب حزبي يسعى لإرضاء قواعده، بل كان فاعلاً يسعى إلى إدخال ثقافة القانون في النقاش السياسي، وهي ثقافة تضع النص في خدمة الإنسان، وتُعلي من شأن التوازن بين الحرية والمسؤولية. ولعل هذه الميزة بالضبط هي التي جعلت منه مرشحاً طبيعياً لتحمل مسؤولية تنفيذية داخل الحكومة، في سياق مغربي يبحث عن نخب جديدة تجمع بين المعرفة القانونية والنزاهة الشخصية.
مع التعديل الحكومي الأخير، دخل هشام الصابري إلى الحكومة ككاتب دولة مكلف بالشغل، وهي حقيبة حساسة بالنظر إلى التحديات الاجتماعية الراهنة: بطالة الشباب، هشاشة التشغيل، ضعف الحماية الاجتماعية، وضغط النقابات. وقد وجد نفسه في قلب معادلة دقيقة تجمع بين مطلب العدالة الاجتماعية من جهة، وضرورة الحفاظ على التوازنات الاقتصادية من جهة ثانية. تكمن أهمية موقعه في أن وزارة الشغل ليست مجرد إدارة تقنية، بل مرآة لمدى التزام الحكومة بقيم الكرامة والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، فإن الخلفية القانونية للصابري تمنحه امتيازاً واضحاً: قدرته على فهم النصوص المنظمة لعلاقات الشغل، وتوظيفها لإنتاج حلول عملية تراعي مصالح العمال والمقاولات معاً. فالرجل يدرك أن القانون ليس عصاً غليظة بيد الدولة، بل أداة لتنظيم التوازن بين القوى الاقتصادية والاجتماعية.
ما يميز هشام الصابري عن كثير من السياسيين هو أنه لا يتحدث بلغة الشعارات، بل بلغة القوانين والمقتضيات. خلفيته كمُوثق وكفاعل مهني تجعله متصالحاً مع فكرة أن السياسة لا يمكن أن تُبنى على الارتجال، بل على القواعد والمؤسسات. في زمن تراجعت فيه الثقة في الخطاب السياسي، يقدم الصابري نموذجاً لنوع جديد من السياسيين الذين يتكلمون بلغة القانون ويفكرون بعقل الدولة. هذا البعد القانوني في شخصيته يمنحه مصداقية خاصة، لأنه يربط بين المبدأ والممارسة. فهو يدافع عن تحديث الإدارة من خلال تبسيط المساطر وتثبيت الشفافية، ويؤمن بأن الاستثمار في دولة القانون هو الاستثمار الأنجح. ومن هنا، فإن مسيرته المهنية تمنحه شرعية مزدوجة: شرعية الخبرة وشرعية الالتزام الأخلاقي.
كعضو في حزب الأصالة والمعاصرة، يمثل هشام الصابري جيلاً جديداً داخل الحزب يسعى إلى تجديد صورته في المجتمع، بعد سنوات من الانتقادات التي طالت أداءه السياسي. الصابري لا ينتمي إلى جناح الصراعات الداخلية، بل إلى تيار الكفاءات الذي يريد أن يجعل من الحزب أداة لبناء الثقة بين المواطن والدولة. فخطابه هادئ، واقعي، ومبني على الحجة أكثر من الشعارات. هذه الملامح تجعله مرشحاً لأن يكون صوت التوازن داخل الأغلبية الحكومية، خصوصاً في الملفات ذات البعد الاجتماعي والحقوقي.
وفي سياق سياسي تتزايد فيه الحاجة إلى نخب جديدة تمتلك الجرأة والمعرفة، يمكن القول إن هشام الصابري يمثل تجربة تستحق المتابعة. فهو يجسد نموذج رجل القانون الذي لم يتخلّ عن مبادئه حين دخل عالم السياسة، بل حمل معه ثقافة احترام النص وروح المؤسسات. وبينما يسعى كثيرون إلى تسييس القانون، يبدو الصابري مؤمناً بأن القانون يمكن أن يُطهّر السياسة من الانتهازية والفوضى. لذلك، فإن حضوره داخل الحكومة يشكل رسالة في حد ذاته: أن المغرب يحتاج إلى رجال دولة، لا إلى محترفي الانتخابات. ورغم أن تجربته التنفيذية ما تزال في بدايتها، فإن مؤشرات التفاعل الإيجابي مع الملفات التي يشرف عليها تدل على أن الرجل يملك تصوراً متوازناً يجمع بين الصرامة القانونية والحس الاجتماعي.
إن هشام الصابري ليس مجرد وزير تقني أو فاعل حزبي، بل هو مشروع رجل دولة يعرف أن السياسة ليست صراعاً على المواقع، بل مسؤولية في خدمة الناس. وفي زمن تكثر فيه الخطابات وتقل فيه الكفاءات، تبرز أهمية النماذج التي تؤمن بأن الإصلاح يبدأ من احترام القانون وتنتهي بتحقيق العدالة الاجتماعية. تلك هي المعادلة التي يبدو أن هشام الصابري اختار أن يسير عليها، بين الثقافة القانونية التي صقلته، والعمل السياسي الذي يمنحه اليوم فرصة لترجمة مبادئه إلى سياسات ملموسة تخدم الوطن والمواطن.


