عين السبع..قضاة بين الحس الإنساني والليونة في تطبيق القانون

قبيل العطلة القضائية، خصص موقع “زون24” جلسات ميدانية في عدد من قاعات المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، في محاولة لرصد جانب من تفاصيل العمل القضائي داخل هذا الصرح الذي يعدّ من بين أضخم المحاكم على المستوى الوطني من حيث عدد الملفات والقضايا المعروضة عليه، ومن حيث حجم الاهتمام الإعلامي الموجَّه نحوه.
كانت الملاحظة الأولى التي تستوقف المتتبع هي هذا الزخم الكبير من الملفات التي تمرّ بشكل يومي بين أيدي القضاة، حيث تتنوع بين ملفات جنحية عادية وأخرى معقدة تهم الرأي العام، وهو ما يجعل قضاة عين السبع في قلب دينامية قضائية قلّ نظيرها.
وإذا كان حجم القضايا وضغط الملفات كفيلاً بأن يُدخل الجالس والواقف معاً في دوامة من الإجراءات الشكلية والصرامة الجامدة، فإن المعاينة التي قام بها الموقع أبانت عن صورة أخرى، حيث برز البعد الإنساني بشكل واضح في طريقة تعاطي القضاة مع أطراف النزاعات. هذه السمة الإنسانية لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل تحوّلت إلى ملمح بارز في جلسات عديدة، حيث لم يتردد القضاة في الاستشهاد بآيات قرآنية أو الاستعانة بأقوال مأثورة لإقناع الأطراف بالصلح والتنازل، في محاولة لتغليب روح التسامح على منطق العقاب وحده.
هذا الحضور الإنساني لم يكن معناه التهاون في تطبيق القانون، بل على العكس، كان بمثابة إضفاء بعد قيمي على نصوص جامدة. فالقاضي الذي يحثّ على الصلح هو نفسه القاضي الذي يُشدد العقوبة حين يقتضي الأمر ذلك، في توازن دقيق بين اللين والصرامة، وبين ما هو قانوني وما هو إنساني. ولعل هذه الميزة هي التي جعلت تجربة المحكمة الزجرية بعين السبع محطّ تقدير، سواء من قبل المتقاضين أو من قبل المتابعين للشأن القضائي.
من خلال هذه الجلسات، برز دور الأستاذ حسن جابر، رئيس المحكمة، باعتباره الممثل الأبرز للقضاء الجالس. فالرجل لا يترأس الجلسات بشكل مباشر، لكنه بحكم موقعه كرئيس للمحكمة يشرف على سير عمل القضاة ويوجه الأداء العام، حيث لمس الموقع أثراً واضحاً لقيادته في الانضباط والنجاعة داخل القاعات. وقد انعكس ذلك في صرامة تنظيمية ملحوظة، وفي إرساء ثقافة تقوم على الإصغاء واحترام الأطراف والبحث عن حلول توافقية كلما كان ذلك ممكناً. إلى جانبه، لعب الأستاذ محمد الزواكي، وكيل الملك، دوراً محورياً في ترسيخ صورة النيابة العامة كجهاز يسعى ليس فقط إلى المطالبة بالعقاب، بل كذلك إلى حماية المجتمع عبر الدفع نحو التسويات الممكنة وتفادي التصعيد.
هذان الوجهان – القضاء الجالس ممثلاً في حسن جابر، والقضاء الواقف ممثلاً في محمد الزواكي – شكلا ثنائياً متناغماً استطاع أن يعطي دفعة جديدة لعمل المحكمة. فالملاحظة التي يسجلها أي متابع هي أن الانسجام بين رئاسة المحكمة والنيابة العامة انعكس إيجاباً على مردودية الجلسات، سواء من حيث تسريع البتّ في الملفات أو من حيث تقليص حالات الاحتقان التي قد تنشأ داخل القاعات.
غير أن الصورة لم تكن مثالية تماماً. فقد تم رصد بعض التجاوزات المعزولة، والتي تعكس بقايا من “السلطوية” في التعاطي مع بعض الملفات أو الأطراف. لكن هذه الحالات، وفق المعاينة، تبقى معدودة على رؤوس الأصابع ولا تمثّل القاعدة العامة. بل إنها بدت أشبه بـ “شذرات” تعكس طبيعة بشرية قد تخطئ وقد تصيب، دون أن تنال من المجهود الكبير المبذول لضمان عدالة أكثر قرباً من الناس.
المثير في هذه التجربة هو أن البعد الإنساني لم يقتصر على لحظات توجيه النصح أو الاستشهاد بنصوص دينية وأخلاقية، بل تَجلّى كذلك في تفاصيل بسيطة؛ فبعض القضاة حاولوا تهدئة الأجواء المتوترة بين أطراف النزاع بابتسامة أو بكلمة طيبة، فيما لجأ آخرون إلى إعطاء مهلة إضافية لمدعى عليه متغيب أو لشاهد تعذر حضوره، وهو ما عكس وعياً بكون العدالة ليست مجرد آلة ميكانيكية، بل سيرورة بشرية تراعي ظروف الناس وأوضاعهم.
في الوقت نفسه، ظلّت الصرامة القانونية حاضرة بقوة. فالقضاة لم يتساهلوا مع حالات التلبس أو مع الملفات التي تمسّ النظام العام أو حقوق الغير بشكل خطير. هنا برزت صورة القاضي الذي لا يخشى إصدار الأحكام الثقيلة حين تقتضي المصلحة العامة ذلك، مما أعطى الانطباع بأن التوازن بين الحزم واللين ليس مجرد شعار، بل ممارسة يومية داخل قاعات المحكمة.
ومن بين الملاحظات المهمة التي رُصدت كذلك، الحضور المكثف لوسائل الإعلام لمتابعة بعض الملفات ذات البعد المجتمعي. ورغم أن هذه المتابعة قد تخلق ضغطاً إضافياً على القضاة، فإن الممارسة اليومية بيّنت أن أغلبهم حافظوا على هدوئهم وحيادهم، متجنبين الانجرار وراء الضغوطات الإعلامية أو الشعبية. هذا الموقف عزّز من صورة القضاء كسلطة مستقلة، لا تشتغل بمنطق الرأي العام بل وفق نصوص القانون ومبادئ العدالة.
إن تجربة عين السبع تعطي درساً بليغاً في معنى “القاضي الإنسان”، ذاك الذي لا يحتمي وراء النصوص ليتخفى من مسؤوليته الأخلاقية، ولا يبالغ في إظهار إنسانيته على حساب هيبة القانون. القاضي الإنسان، كما تجسّد في هذه المحكمة، هو من يُوازن بين العدل والرحمة، بين الصرامة والليونة، في مشهد قضائي يحتاج إلى الكثير من الكفاءات والضمائر الحية.
لذلك، يمكن القول إن ما يحدث داخل المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع هو أشبه بعملية إعادة تشكيل لصورة القضاء في المخيال العام. فبعد سنوات من انتقادات توجه عادة إلى بطء العدالة أو غياب البعد الإنساني عنها، يبرز اليوم نموذج مختلف يُظهر أن العدالة ليست مجرد نصوص وعقوبات، بل هي أيضاً قدرة على الإصغاء، وجرأة على الإصلاح، واستعداد للبحث عن حلول توافقية.
وإذا كانت بعض التجاوزات لا تزال قائمة، فإن المسار العام يشير إلى أن قضاة عين السبع يسيرون في اتجاه بناء نموذج قضاء أكثر قرباً من الناس، وأكثر انسجاماً مع حاجيات المجتمع. وهو ما يجعل تجربة هذه المحكمة جديرة بالاهتمام والمتابعة، بل وربما بالتعميم في محاكم أخرى عبر المملكة.
بهذا المعنى، فإن الحسن الإنساني والليونة في تطبيق القانون ليسا علامات ضعف أو تنازل، وإنما تعبير عن نضج في ممارسة السلطة القضائية، وعن وعي بأن العدالة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، بل كذلك بعدد القلوب التي نجحت في إطفاء نيرانها، والعلاقات التي أعادت بناء جسورها بفضل كلمة طيبة من قاضٍ عادل.


