محمد كفيل..بين السياسة والقانون

يبدو أن شخصية محمد كفيل، الأمين العام الجديد لحزب النهضة والفضيلة، تحمل ملامح مزدوجة تجمع بين رصانة رجل القانون وحماسة الفاعل السياسي. فالمحامي بهيئة الدار البيضاء، الذي خبر دهاليز المحاكم وتشبع بروح الدفاع عن الحقوق والعدالة، يجد نفسه اليوم على رأس حزب سياسي يسعى إلى ترسيخ موقعه داخل المشهد الحزبي المغربي، بعد رحيل مؤسسه محمد خليدي.
منذ انتخابه في نونبر 2024 بأغلبية ساحقة، بدا واضحاً أن كفيل ليس مجرد قائد حزبي تقليدي، بل رجل ميدان يعرف كيف يزاوج بين المرجعية القانونية التي تَشرّبها في مساره المهني، وبين رهانات السياسة التي تحتاج إلى خطاب إصلاحي واقعي وجرأة في الطرح. ولعل أولى إشاراته كانت دعوته إلى تجديد دماء الحزب، والانفتاح على فئة الشباب والنساء، مع إعادة بناء الثقة في الممارسة الحزبية كإطار للتأطير والمشاركة.
هذا التوجه لا ينفصل عن خلفيته كمحامٍ؛ فالقانون بالنسبة له ليس نصوصاً جامدة، بل روح عدالة وإطار للتوازن بين الحقوق والواجبات. لذلك، لم يتردد في إثارة مسألة إصلاح نظام الدعم العمومي للأحزاب، باعتباره قضية إنصاف سياسي، تسمح بتمكين الأحزاب الصغيرة من لعب أدوار حقيقية داخل الساحة، عوض تركها على هامش المشهد. وهي مقاربة تنسجم مع تصوره لمغرب أكثر ديمقراطية، حيث يتكامل القانون مع السياسة لبناء دولة عادلة وقوية.
التحدي الأكبر أمام محمد كفيل اليوم هو كيفية نقل هذه المبادئ من خانة الخطاب إلى مستوى الإنجاز. فالحزب الذي يقوده ظل لسنوات محدودة حضوره الانتخابي، وهو ما يستدعي عملًا تنظيمياً متواصلاً، وخطاباً مقنعاً يلامس قضايا المواطن اليومية، من التشغيل إلى التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. وإذا كان رجل القانون يحرص على الحُجّة والبرهان في قاعة المحكمة، فإن رجل السياسة مطالب بترجمة تلك الحجج إلى برامج وسياسات ملموسة قابلة للتطبيق.
إن الجمع بين السياسة والقانون ليس بالأمر الهيّن، لكنه قد يكون مكمن قوة شخصية محمد كفيل. فالمغرب اليوم، في ظل التحديات التنموية والاجتماعية، في حاجة إلى قيادات حزبية تتسم بالنزاهة والجدية، وتُدرك أن السياسة ليست مجرد تنافس على المقاعد والمناصب، بل ممارسة نبيلة لخدمة الصالح العام. وهنا قد يجد حزب النهضة والفضيلة نفسه أمام فرصة لإعادة التموضع، إذا استطاع كفيل أن يوظف خبرته القانونية لبناء مشروع سياسي متماسك، يقوم على العدالة والواقعية.
وبين المحامي والسياسي، يظل محمد كفيل مطالباً بترجمة توازن شخصيته إلى أفق جديد للحزب، أفق يزاوج بين صرامة القانون ومرونة السياسة، بين مبادئ العدالة وحتميات التدبير. ذلك هو الرهان الحقيقي الذي سيكشفه الزمن: هل سينجح في جعل حزب النهضة والفضيلة رقماً فاعلاً في المعادلة السياسية، أم سيظل صوته محدوداً في زحمة الأحزاب الكبرى؟


