عاق به أخنوش..قيوح يوظف “نارسا” في حملة انتخابية

يبدو أن الوزير الاستقلالي عبد الصمد قيوح لم يستوعب بعد أن السياسة مسؤولية وطنية وليست مزرعة خاصة لتدبير الولاءات الانتخابية، فالرجل الذي جاء به اقتراحٌ خاطئ إلى رأس وزارة النقل واللوجستيك، لا يسيء فقط إلى حزب الاستقلال العريق الذي أنجب رجالات كبار، بل يسيء إلى صورة الدولة ككل، ويكرس الانطباع بأن الكفاءة ليست شرطاً في تعيين الوزراء بقدر ما هو توازن هش داخل حسابات الأغلبية الحكومية.
قيوح، الذي أظهر منذ تعيينه أن بينه وبين السياسة مسافة الأرض مع السماء، لم يجد أفضل من “نارسا”، الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، ليجعل منها العلبة السوداء لمشاريعه الانتخابية، مستغلاً إمكانياتها المادية والتنظيمية واللوجستيكية في حملة سابقة لأوانها. بدل أن ينشغل بتأهيل قطاع النقل، الذي يئن تحت وطأة مشاكل البنية التحتية، عشوائية تدبير الرخص، وفوضى النقل السري، انشغل الوزير الجديد بمغازلة أصوات محتملة، متخذاً قرارات مرتجلة تمس فئة حساسة من المواطنين، وهم أصحاب الدراجات النارية.
الحملة التي أطلقها قيوح ضد هذه الفئة، تحت يافطة السلامة الطرقية، كشفت بالملموس ضعف الرؤية وانعدام الخبرة، إذ سرعان ما تحولت إلى حملة عشوائية أربكت آلاف المغاربة، وأثارت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الأهم أن هذه الحملة، التي بدت وكأنها أداة انتخابية أكثر من كونها إجراءً تنظيمياً، لم تمرّ على رادار رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي التقط في الوقت المناسب خطورتها، ليقرر وقفها، مانعاً بذلك انفلاتاً سياسياً كان من الممكن أن يتفاقم ويؤدي إلى نتائج غير محسوبة على الساحة الاجتماعية والسياسية.
قرار أخنوش بإلغاء الحملة جاء بمثابة إنقاذ لصورة الحكومة التي بدأت تتصدع جراء تصرفات وزير حديث العهد بالمسؤولية العمومية. فقد فهم رئيس الحكومة أن استمرار هذه الحملة يعني انزلاق وزارة النقل إلى خدمة أجندة ضيقة، وهو ما قد يحوّل “نارسا” إلى أداة حزبية في يد قيوح بدل أن تكون مؤسسة عمومية لخدمة الوطن.
إن توظيف مؤسسات الدولة في معارك انتخابية مبكرة يعتبر ضرباً من العبث، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول من اقترح عبد الصمد قيوح لتولي حقيبة استراتيجية بحجم النقل واللوجستيك. هل كان الهدف فعلاً خدمة الوطن وتطوير القطاع، أم مجرد إرضاء توازنات حزبية وشخصية؟ المؤكد أن ما وقع يُظهر أن تعيين الرجل كان إساءة مزدوجة: إساءة لحزب الاستقلال الذي يفقد تدريجياً بريقه بفعل خيارات غير محسوبة، وإساءة أكبر لصورة الدولة التي تحتاج إلى وزراء بقدرات عالية وليس إلى هواة يتعلمون السياسة في كراسٍ وزارية.
لقد عاق به أخنوش في اللحظة الحاسمة، لكن ذلك لا يعفي من طرح سؤال أكبر: كم من وزير آخر قد يستغل مؤسسات الدولة لحساباته الخاصة ما لم يتم وضع حدود واضحة بين الفعل العمومي والعمل الحزبي؟ وهل يكفي قرار ظرفي لرئيس الحكومة لتصحيح أخطاء جوهرية في بنية التعيينات الحكومية؟
الجواب يظل معلقاً، لكن المؤكد أن صورة قيوح خرجت مثخنة بالجراح منذ هذه الواقعة، وباتت دليلاً على أن الكفاءة حين تغيب، لا يملأ فراغها سوى العبث.


