مجتمع

إلى صديقنا مصطفى صفر وأسرة “الصباح”

في لحظات الفقد، تتقزم الكلمات أمام عظمة الحزن، ويضيق صدر اللغة مهما اتسع معجمها عن حمل مشاعر المواساة التي تجتاحنا.

خبر رحيل زوجة زميلنا وأخينا العزيز مصطفى صفر، الصحافي البارز بجريدة “الصباح”، كان صادماً لكل من عرفه أو تعامل معه أو تابع قلمه الذي لطالما أضاء صفحات الصحيفة بملفات عميقة وزوايا مختلفة، خصوصاً في المجال القضائي حيث كان — وما يزال — مدرسةً في البحث والتحليل والإنصات إلى نبض الوقائع.

مصطفى صفر، الذي تعوّدنا أن نراه قوياً وهو يواجه صعوبة الوصول إلى الحقيقة بين ركام المعطيات، وجد نفسه هذه المرة في امتحان إنساني قاسٍ لا تقوى عليه صرامة المهنة ولا صلابة القلم. فقد فقد سنداً وشريكة حياة، امرأة كانت جزءاً من رحلته، ورفيقة أيامه، وحاضنة بيته، وسنده الصامت في معارك الحياة.

إن الحزن الذي يلفّ قلب مصطفى اليوم ليس حزناً شخصياً فحسب، بل هو حزن يمتد إلى أسرة جريدة “الصباح” برمّتها، تلك العائلة المهنية التي تشهد له بوفائه ودماثة خلقه، وبكونه وجهاً بارزاً في قسمها القضائي، يلتقط خيوط القضايا من زوايا قد يغفل عنها الآخرون، ويعطي لكل ملف حقه من العمق والتحري.

في هذه اللحظة العصيبة، نتوجه بالتعزية الحارة إلى طاقم جريدة “الصباح” كاملاً، وإلى مدير نشرها الأستاذ خالد الحري، الذي يقود هذه المؤسسة الإعلامية بروح الفريق الواحد. نعلم أن المصاب جلل، وأن فقدان زوجة زميل وركيزة من ركائز الجريدة، وإن كان من خارج أسوار التحرير، يترك في النفوس فراغاً وألماً. فالصحافة، حينما تُمارَس بروح الانتماء، تجعل من الزملاء إخوة، ومن غرفة الأخبار بيتاً كبيراً، ومن الأفراح والأحزان مناسبات مشتركة.

لقد اعتدنا أن نقرأ لمصطفى صفر عن قضايا الناس، عن معاركهم في أروقة المحاكم، عن جراحهم الخفية خلف عناوين الأخبار، وعن تفاصيلهم الصغيرة التي لا تراها إلا عين متمرسة وقلب صادق. واليوم، يجد هو نفسه بين سطور الحزن، في مواجهة مع حدث شخصي، لكنه ليس بعيداً عن نبض من تضامنوا معه، وشدّوا على يده، وأخبروه أن الفقد وإن كان موجعاً فإنه لا يعني الوحدة.

إلى صديقنا مصطفى، نقول: إن الكلمات قد لا ترد دمعة، ولا تمسح وجعاً، لكنها تحمل روح التضامن، وتُذكّرك أنك لست وحيداً في هذا الطريق الثقيل. نحن، ومعنا كل محبيك وزملائك، نقف بجانبك. نعرف أن زوجتك الراحلة تركت أثراً في حياتك وفي نفوس من عرفوها، وأن ذكراها ستظل حاضرة في تفاصيل أيامك، في دعواتك، وفي صمتك.

كما نوجّه التحية إلى كل فرد في أسرة “الصباح” الذي جعل من هذا الحزن حزناً جماعياً، ومن هذه الخسارة شأناً عاماً داخل المؤسسة. هذا التضامن الإنساني، الذي يعلو على الانشغالات المهنية، هو ما يجعل من الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومن الزمالة أخوّة قبل أن تكون عقد عمل.

نؤمن أن الفقد امتحان صعب، لكنه أيضاً مساحة لاستحضار المعاني العميقة للحياة، ولإعادة ترتيب الأولويات، وللتذكير بأن وراء كل خبر وكل مقال، هناك بشر يحملون قلوباً تنبض، وأرواحاً تتألم، وعائلات تنتظر. ومصطفى صفر، الذي طالما كان صوتاً لمن لا صوت لهم، يستحق في هذه اللحظة أن تكون كل الأصوات إلى جانبه.

ختاماً، لا يسعنا إلا أن نرفع أكفّ الدعاء بأن يتغمّد الله الفقيدة بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، وأن يلهم زوجها العزيز، وأبناءها إن وُجدوا، وكل أهلها ومحبيها، الصبر والسلوان. وإلى أسرة “الصباح” قاطبة، نقول: عظم الله أجركم، وجعل هذا الابتلاء بداية لفيض من الرحمة والبركة على روح الفقيدة، ولحظة تلاحم أقوى بينكم جميعاً.

رحم الله الفقيدة، وألهمنا وإياكم جميل الصبر.