رشيد الحموني..المعارضة بنبل

في مشهد سياسي متقلبٍ، تتراخى فيه كثير من المواقف وتذوب فيه الفروقات بين السلطة والمعارضة، يطل رشيد الحموني كوجهٍ برلماني مختلف، لا يُشبه خصومه ولا يُشبه حلفاءه. يحمل في مداخلاته، وحضوره الإعلامي، ومواقفه البرلمانية ما يُشبه “معارضة بنُبل”؛ معارضة لا ترفع العقيرة للضجيج، ولا تنزلق نحو الشعبوية الفارغة، ولا تلوّح بالأيديولوجيا البائدة، بل تقترح، تناقش، تنقد بحزم، وتحتكم إلى مرجعية نضالية مغربية مغروسة في حزبٍ يساري عريق، اسمه حزب التقدم والاشتراكية.
ينتمي رشيد الحموني إلى منطقة بولمان، التي ظلت لعقود تُعاني من التهميش، وهي الانتماءات التي طبعت رؤيته للنقاش العمومي، وصاغت خطابه البرلماني بمسؤولية اجتماعية واضحة. فحين يتحدث، لا يُخاطب العاصمة فقط، بل يحضر معه صوت الأطلس المتوسط، وساكنة الهامش، وأشواق المناطق التي لا تصلها المشاريع الكبرى. وإن كان كثيرون قد عرفوه من خلال رئاسته لفريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، فإن نضاله السياسي امتدّ لعقود، سواء داخل المكتب السياسي لحزبه أو من خلال اشتغاله على قضايا العدالة الاجتماعية، والشباب، والسياسات العمومية التي تمس الحياة اليومية للمواطن المغربي.
يُقدّم الحموني نموذجًا نادرًا في معارضة مغربية أصبحت في بعض تجلياتها “افتراضية أكثر من واقعية”، حيث تتحول المواقف إلى تغريدات، والمبادئ إلى لايكات. أما هو، فظل صوته قويًا داخل المؤسسة التشريعية، لا يتورع عن مواجهة رئيس الحكومة، أو تنبيه الوزراء، أو فضح ما يراه تواطؤًا في الصمت الحكومي حيال الأزمات المتكررة التي يعيشها المغاربة، من ارتفاع الأسعار، إلى شح الماء، إلى أعطاب التعليم والصحة. لكن الأهم أنه لا يكتفي بانتقاد الحكومة من موقع الرفض، بل يشتغل بمنطق الاقتراح. ففي مداخلاته لا تلمح عداءً سياسياً مجانياً، بل رؤية بديلة، ونفساً نقدياً، ينهل من مرجعية يسارية وطنية، لا تميل إلى التطرف، ولا تركن إلى الانبطاح.
كثير من المغاربة سمعوا صوته حين انفجر في وجه الحكومة مطالبًا بتوضيحات حول توزيع الدعم المباشر، وحول الفيديوهات التي تبثها المؤسسات العمومية للترويج للإنجازات، والتي اعتبرها محاولة مفضوحة لتسويق صورة انتخابية لحزب معين. لكن قليلين يدركون أن هذه المواقف لم تكن وليدة اللحظة، بل امتداداً لخط نضالي اتسم به حزب التقدم والاشتراكية منذ معارضته لبرامج التقويم الهيكلي في الثمانينات، إلى وقوفه في وجه قرارات لا شعبية خلال العقدين الماضيين. رشيد الحموني لم يتورط في مزايدات الخطاب، بل اختار الطريق الأصعب: أن تعارض من داخل المؤسسات، وأن تضع يدك على الخلل بالأرقام والوقائع، وأن تواجه المنطق الحكومي بتقارير بديلة وقراءات ميدانية.
لقد شكّل حضوره في اللجنة البرلمانية لتقييم مخطط المغرب الأخضر لحظة فارقة في دوره الرقابي، حيث ساهم في إبراز اختلالات كبرى طالت برنامجاً رُوّج له باعتباره قصة نجاح مغربية، لكنه على الأرض خلّف جيوب فقر جديدة، وساهم في تركيز الثروة الزراعية في يد أقلية. في هذه اللجنة، كما في ملفات أخرى، ظهر الحموني كمشرّع لا يرضى بأن يكون مجرد شاهد على المرحلة، بل ناقداً فاعلاً فيها، باحثاً عن التوازن بين التنمية والعدالة، بين السوق والكرامة.
وليس صدفة أن يجد كثير من الصحافيين والباحثين في مداخلاته مادة تحليلية غنية، لأنها لا تُلقي الكلام على عواهنه، بل تُرتّب الوقائع، وتستحضر السياقات، وتُفكك خطابات السلطة بمنطق علمي. فالرجل، الذي لا يفتعل الصراخ، ولا يبحث عن الأضواء، بات عنواناً لمعارضة متزنة، واضحة في مبادئها، لكن غير مترددة في نقدها. حتى خصومه في الأغلبية، باتوا يعترفون بأن “للرجل منطقه”، وأنه ليس من النوع الذي يهاجم من أجل الهجوم، بل يُجبرك على الرد، ويُحرجك حين لا تملك الأجوبة.
ومع ذلك، فإن رهانات الحموني تتجاوز مجرد الأداء البرلماني، فصوته صار يصل إلى الشارع، وإلى الإعلام، وإلى صناع القرار، كما أن مداخلاته أخرجت حزب التقدم والاشتراكية من دائرة النسيان السياسي، وأعادت له شيئاً من هيبته التاريخية، كحزب يساري لا يساوم في المبادئ، ولا يذوب في الأغلبية، ولا يتمايل حسب ميزان القوى.
إن الحديث عن رشيد الحموني هو في الواقع حديث عن نموذج نادر في السياسة المغربية: سياسي بلا عداوات شخصية، برلماني يحترم ذكاء المغاربة، معارض لا يمارس المعارضة لمجرد الظهور، رجل سياسة لا يتحدث بلغة التعميم، بل بلغة الوقائع والتفاصيل. وفي زمن شحّ فيه النبل في العمل السياسي، يصرّ الحموني على أن يُمارس السياسة كوظيفة أخلاقية قبل أن تكون منصباً أو خطاباً.
ليست كل معارضة بطولية، وليست كل معارضة نبيلة، لكن رشيد الحموني يُثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن بإمكان المعارضة أن تكون وطنية، قوية، واقعية، ومنتجة في الآن ذاته. لا تصرخ، لكنها تُقنع. لا تهدم، لكنها تُراجع وتُسائل. لا تلبس قناع البطولة، لكنها تنحاز للناس دون مواربة. وبين ضجيج السياسة وضوضاء الشعارات، يبقى صوته واضحاً، هادئاً، نبيلاً.


