محمد البقالي وعزيز بوستة

في زمنٍ تُختزل فيه الصحافةُ في سرعة السبق وضعف العمق، وتُستعمل فيه المهنة لغايات تافهة أو أجندات صغيرة، يظل هناك صحافيون يذكّروننا بالجوهر الأول والنبيل لما نسميه: الصحافة.
فالصحافي، في جوهر أدواره، ليس فقط ناقلاً للخبر، بل حارسٌ للمعنى، شاهدٌ على الحقيقة، ومُعبّرٌ عن الضمير العام. هو ذاك الذي يتحرك على خطوط التماس، ويُضيء المناطق المعتمة، ويُقاوم التسطيح بالتحليل، والاستغلال بالموقف. قد لا يحمل سلاحاً، لكنه صوتٌ مزعجٌ للظالمين، ورفيقُ أملٍ للمهمّشين.
في هذا السياق، نجد أنفسنا أمام نموذجين مغربيين يستحقان الوقوف عند سيرتهما لا لتقديس الأشخاص، بل لتكريم القيم التي يمثلانها في لحظةٍ تتآكل فيها الحدود بين الصحافة والعبث.
محمد البقالي، مراسل “الجزيرة”، ليس مجرد اسم عابر ضمن طاقم الشبكة القطرية العملاقة. هو صاحب أسلوب خاص، ولغة متينة، وعمقٍ في التناول، تجعل من كل مادة يوقعها حدثاً مهنياً بحد ذاته. صحافيٌ عابرٌ للقارات، ومؤمنٌ برسالة الإعلام كوسيلة لكشف المعاناة وإعلاء الصوت المحاصر.
قبل أيام، اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي على متن سفينة “حنظلة”، التي كانت في طريقها إلى غزة، ضمن مبادرة رمزية لكسر الحصار. مشهدٌ يعيد إلى الأذهان صور المراسلين الميدانيين الذين لا يكتفون بالتعليق من بعيد، بل يذهبون إلى حيث يُداسُ الحق، وينتهكُ الإنسان، ويُغتالُ الصمت.
آخر الأخبار، وفق ما كتبه شقيقه الزميل مصطفى البقالي، تفيد بأن سلطات الاحتلال تتجه إلى ترحيله. وقد أصاب الزميل يونس مسكين، مدير الأخبار في إذاعة “صوت المغرب”، حين لقبه بـ”حنظلة المغربي”، في إشارة إلى أيقونة المقاومة الصامتة التي جسدها الشهيد ناجي العلي.
تعرفت على محمد البقالي عن قرب قبل ثلاث سنوات، خلال دورة تدريبية نظمها معهد الجزيرة والمجلس الوطني للصحافة في المعهد العالي للإعلام والاتصال. أسبوع واحد كان كافياً لاكتشاف رجلٍ دمث الأخلاق، هادئ، معطاء، لا يحتكر المعلومة، ولا يدّعي الوصاية على المعرفة. باختصار: صحافيٌ محترف وإنسانٌ نبيل.
وإذا كانت هذه الافتتاحية مناسبة للحديث عن محمد البقالي ومحنته المؤقتة مع الاحتلال، فإنها أيضاً فرصة للحديث عن زميلٍ آخر، قلّما يُذكر في الإعلام، رغم بصماته الواضحة: عزيز بوستة، مدير نشر موقعي “المواطن” و”بانورابوسط”.
لم تربطني بعزيز أية علاقة شخصية خارج إطار الزمالة. لكن ما دفعني لذكره اليوم، هو النقاش الذي أثارته مؤخراً حلقة من برنامج بثته قناة “ميدي1 تيفي”، جمعت بين الباحث أحمد عصيد والناشط محمد طلال لحلو. وبينما انقسمت التعليقات كالمعتاد بين مُصفّق لهذا أو ذاك، غفل كثيرون عن الدور المحوري للمُحاور الذي أدار الجلسة بكفاءة وهدوء وحكمة لافتة. ذاك هو عزيز بوستة.
رجلٌ ستيني، من عائلة مناضلة داخل حزب الاستقلال، زاهدٌ في الأضواء، لكنه ليس زاهداً في الموقف. لا تستهويه الصراعات المفتعلة، ولا يقايض القيم بإعلانات السوق. يروي لي أصدقاء مشتركون أنه، رغم ملكيته لمقاولة إعلامية، ظل يكتب ما يؤمن به دون مساومة، ويقود مشروعه الإعلامي كمن يقود رسالة لا تجارة.
وحين ترأس العام الماضي لجنة تحكيم الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة، حرص على أن تُمنح الجوائز لمن يستحقونها، في سابقةٍ نادرة لم يألفها الجسم الصحافي منذ سنوات. ذلك وحده كافٍ لفهم لماذا نحتاج إلى أمثال بوستة أكثر من أي وقت مضى.
الصحافة، إذن، لا تُقاسُ بعدد المتابعين، ولا تُختزلُ في “اللايفات” الفارغة. بل تُقاس بمستوى النزاهة، وبحجم ما يُضحّى به من أجل الحقيقة. محمد البقالي، المعتقل ظلماً في سجون الاحتلال، وعزيز بوستة، الزاهد في صخب المهنة ومكاسبها، يجسدان معاً هذا المعنى الأصيل: الصحافة التزام.
في زمن الإلهاء الجماعي، والابتذال المهني، والتسابق نحو التفاهة، نحتاج أن نرفع الرأس قليلاً، وننصت لأمثال هؤلاء، لا لنبكي على “الزمن الجميل”، بل لندرك أن هذا الزمن لم يمت بعد، ما دام هناك من يُراكم في الصمت، ويؤدي الأمانة في الظل، وينقل المعركة إلى حيث تُصنع الحقيقة.
نُحني القبعة لمحمد البقالي… ونتمنى له الحرية السلامة، ونشد على يد عزيز بوستة… ونقول له: امضِ في صمتك، فصوتك أقوى مما نظن.


