السلطة الرابعة

الصحافي القوي والمقاولة المهيكلة..ركيزتان لإصلاح حقيقي ومهني

في ظل النقاش المتصاعد حول مستقبل الصحافة المغربية، وعقب المصادقة على مشروعي القانونين المتعلقين بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وتحديث النظام الأساسي للصحافيين المهنيين، برزت من جديد إشكالية العلاقة الجوهرية بين الصحافي والمقاولة الإعلامية، باعتبارها علاقة تبادلية لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون معالجتها بعمق ووضوح.

وفي هذا الإطار، حرصت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في بلاغها الأخير على التأكيد بأن الحديث عن صحافي مهني وقوي ومستقل لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن مقاولة إعلامية قوية، ومهنية، ومستقلة. فالصحافي لا يشتغل في الفراغ، والمقاولة الصحافية ليست مجرد وسيلة توزيع للأخبار، بل هي الإطار المؤسسي الذي يضمن الشروط المادية والمعنوية لممارسة المهنة بأخلاقيات ومسؤولية.

إن واقع الصحافة اليوم، وما يشهده من تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، يستدعي نموذجاً مقاولاتياً جديداً، قائماً على النجاعة، والاستقلال المالي، والالتزام بالقانون. فالإصلاح الذي تنادي به مختلف الأطراف لن يكتمل إلا بتوطيد المقاولة الصحافية كفاعل رئيسي في حماية المهنة، وتثمين الموارد البشرية، والاستثمار في الجودة، ومواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تهدد بقاء الإعلام الجاد.

وتعتبر الجمعية الوطنية أن من بين أبرز النقاط المضيئة في مشروع القانون 26.25 هو إدراكه لهذه المعادلة، من خلال منح المقاولة مكانة ضمن تركيبة المجلس الوطني للصحافة، سواء عبر التمثيلية بالانتداب أو من خلال إشراك فئة الناشرين كطرف مؤسساتي. هذا الإشراك لا يجب أن يُفهم، كما يحاول البعض تصويره، كتكريس لهيمنة المال أو الإدارة على العمل الصحافي، بل باعتباره اعترافاً بالدور الحيوي للمقاولة في تأطير المهنة وضمان استمراريتها.

فالمقاولات الصحافية المهيكلة ليست خصماً للصحافي، بل هي شريكه الطبيعي في المعركة من أجل المهنية، وضمان الكرامة المادية، وحماية الحقوق الاجتماعية، ومقاومة أشكال الريع والتطفل والانتحال التي باتت تهدد سمعة الصحافة المغربية. لذلك فإن إشراكها في المجلس الوطني لا يُفقده استقلاليته، بل يعزّز نجاعته ويقوي صلته بالواقع اليومي للمهنة.

إن الجمعية، وهي تدافع عن هذا التصور، لا تنكر وجود تفاوتات بنيوية بين المقاولات، ولا تنفي أن بعض المؤسسات تعاني من اختلالات داخلية أو من هشاشة في تدبيرها. لكن البديل ليس تهميش المقاولات الكبرى أو إقصاء الناشرين، بل العكس تماماً: المطلوب هو جعل المقاولات المهيكلة قاطرةً لباقي الفاعلين، ونموذجاً يُحتذى به في التكوين، والاستثمار، والابتكار، والإدارة الرشيدة.

بل إن وجود مقاولات قوية وشفافة هو ما يسمح ببناء بيئة تضمن الحماية القانونية والاجتماعية للصحافيين، وتمنحهم الشروط الموضوعية للإبداع والاستقلال، بعيداً عن التبعية أو الهشاشة أو الابتزاز السياسي والمالي. ولهذا، تكرر الجمعية موقفها الثابت بأن أي محاولة لفصل الصحافي عن مؤسسته الإعلامية، أو لتحقير المقاولة بدعوى الدفاع عن “حرية التعبير”، ليست سوى تبسيط مخل وإضعاف خطير لمنظومة الصحافة ككل.

وفي مقابل هذا المنظور الواقعي، تُعرب الجمعية عن قلقها من الخطابات التي تروج لفكرة الصحافي “الحر” خارج المؤسسات، أو التي تحتفي بـ”الصحافة البديلة” على المنصات الرقمية، بمعزل عن أي التزام قانوني أو أخلاقي. فهذا النموذج، وإن كان يلقى تعاطفاً شعبياً أحياناً، إلا أنه يُقوض كل أسس المهنة، ويهدد بتحويلها إلى مجال مفتوح أمام من لا مهنة لهم.

إن اللحظة الراهنة، كما تقول الجمعية، ليست لحظة مواجهة بين الصحافيين والناشرين، ولا بين المقاولات والمهنيين، بل هي لحظة تعاقد جديد يقوم على إدراك أن الصحافة لن تنجو إلا بمنظومة متكاملة، تعترف بدور المقاولة كمؤسسة منتجة وملتزمة، وتُعيد الاعتبار للصحافي كفاعل مستقل ومهني.

وبين منطق المواجهة ومنطق الشراكة، تختار الجمعية بوضوح الانحياز إلى الثاني، باعتباره الخيار الوحيد القادر على إنجاح الورش التشريعي الحالي، وتحقيق التراكم الذي تحتاجه المهنة للخروج من أزماتها البنيوية. ولذلك فهي تدعو إلى تشجيع المقاولات المتوسطة والصغرى على الارتقاء نحو النموذج المهيكل، وتوفير الدعم التشريعي والاقتصادي لذلك، حتى لا يظل المجال الإعلامي رهيناً بين فوضى المنصات من جهة، واحتكار عدد محدود من المؤسسات من جهة أخرى.

خلاصة القول، إن بناء صحافة مهنية حقيقية لا يمر عبر الشعارات، بل عبر تقوية أسس الشراكة بين الصحافي والمؤسسة. وبين الحقوق الفردية والضمانات الجماعية، وبين حرية التعبير والاستقلال المالي، تكمن المعادلة التي من دونها سيظل أي إصلاح ناقصاً، وأي قانون مجرد وثيقة بلا أثر.