السلطة الرابعة

“إم ديلي”..تجربة إعلامية جديدة بملامح النجاحْ

في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها صناعة الإعلام، تظهر بين الحين والآخر مبادرات جديدة تسعى إلى تجديد الخطاب الصحافي ومساءلة الأشكال التقليدية في نقل الخبر وتحليله. ومن بين هذه المبادرات تبرز منصة “إم ديلي” كمشروع إعلامي يراهن على المهنية والجرأة والتنوع من أجل إعادة الاعتبار للصحافة كسلطة رابعة، وكأداة لصياغة النقاش العمومي في المجتمع المغربي.

هذا المشروع يقوده الصحافي حمزة الأنفاسي، الذي راكم تجربة مهنية مهمة داخل المغرب وخارجه، خاصة بعد قضائه لأكثر من عقد من الزمن في الولايات المتحدة الأمريكية. هناك، تشبع بثقافة إعلامية مختلفة، تقوم على الاستقلالية والاحترافية والالتزام بأخلاقيات المهنة، وهو ما يسعى إلى ترسيخه اليوم من خلال هذه المنصة التي تحمل بصمته وتطلعاته.

ولا يقتصر هذا المشروع على خلفية إعلامية صرفة، بل ينهل أيضاً من خبرات تربوية وتعليمية بفضل شراكة مع الحاج إبراهيم النعناعي، الرئيس المدير العام لمجموعة مدارس “جون جوريس” الرائدة. هذه الشراكة بين الإعلام والتربية تعكس وعياً بأهمية تلاقح الحقول المعرفية، وتكشف عن رؤية متقدمة تعتبر أن بناء وعي مجتمعي نقدي لا يتم فقط من داخل المؤسسات التعليمية، بل كذلك من خلال صحافة تنويرية تحترم المتلقي وتمنحه أدوات الفهم والتحليل.

منصة “إم ديلي” تراهن على تقديم محتوى إعلامي شامل، يعالج قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة والهوية بشكل عميق ومتوازن، مع الحفاظ على مسافة مهنية من جميع الفاعلين. ليست مجرد موقع إخباري آخر، بل مشروع يؤمن بأن الخبر الجيد لا يصنع فقط بالسرعة، بل أيضاً بالتحقق، والتحليل، وطرح الأسئلة الصعبة التي تتفادى المنابر التقليدية الغوص فيها.

العنصر الشبابي يشكل القلب النابض لهذا المشروع. شباب يشتغلون بروح جديدة، متحررين من البيروقراطية، ومتصلين بهموم جيلهم، ومتمكنين من أدوات العصر الرقمي. هذه المنصة تمنحهم مساحة للتعبير، وفرصة لتطوير مهاراتهم، وفضاء لممارسة صحافة نقدية وتشاركية، في زمن طغت فيه السطحية والمحتويات التجارية على كثير من الوسائط.

الرهان على الشباب ليس مجرد اختيار تنظيمي، بل موقف أخلاقي ومهني. فهؤلاء الصحافيون الجدد، الذين غالباً ما وُوجهوا بعدم الثقة أو الإقصاء في مؤسسات الإعلام التقليدي، يجدون في “إم ديلي” فرصة لبناء نموذج بديل. نموذج لا يكتفي بتكرار ما هو سائد، بل يسعى إلى طرح أسئلة جديدة، والبحث عن إجابات حقيقية من الميدان، لا من مكاتب التحرير المغلقة.

المنصة تضع ضمن أولوياتها خلق علاقة جديدة مع الجمهور، تقوم على التفاعل لا التلقين، وعلى الإنصات لا الفرض. تسعى إلى أن تكون منبراً للمواطنين بقدر ما هي منبر للصحافيين، وتطمح إلى لعب دور تربوي ومواطني من خلال إنتاج مضامين تسهم في بناء وعي نقدي جماعي، يتجاوز الاصطفافات الضيقة والانفعالات العابرة.

في زمن طغت فيه الأجندات السياسية والمالية على العمل الإعلامي، تبدو “إم ديلي” كتجربة تُعلي من شأن الصحافي المستقل، وتُعيد الاعتبار للمهنة كرافعة للتغيير ومجال للتعبير الحر والمسؤول. قد لا يكون الطريق سهلاً، لكن وجود إرادة صادقة، وتجربة قوية، وشباب متحمس، يمكن أن يجعل من هذه المبادرة نقطة تحول في المشهد الإعلامي المغربي.