سياسة

المنصوري..رئيسة حكومة الوهم

يبدو أن فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، و”نصف أمينة عامة” لحزب الأصالة والمعاصرة، قد تحولت في مخيلة البعض إلى “رئيسة حكومة مقبلة” قبل أوانها، بل قبل أن تفرز الصناديق ما يثبت هذه الفرضية أو حتى يبرر هذا الحلم السياسي المبالغ فيه.

يتحدث كثيرون ممن يظنون أنفسهم من العارفين بدهاليز السياسة المغربية، بثقة عجيبة، عن سيناريو تولي المنصوري رئاسة الحكومة المقبلة، وكأن الأمر محسوم أو كأن المشهد السياسي المغربي تحول إلى مسرحية مكتوبة سلفاً، أدوارها معروفة ونهايتها لا تقبل المفاجآت. بل إن بعضهم يتحدث عن الموضوع وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى برهان، معتمدين في ذلك على تبريرات واهية، وأساطير صالونات السياسة التي لا صلة لها بواقع المؤسسات الدستورية ولا بمقتضيات المشهد الانتخابي المغربي.

ما ينطبق على المنصوري في هذا السياق هو المثل المغربي الشهير: “تكذب الكذبة وتصدقها”، فقد ساهمت بعض المواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي، وحتى بعض الأصوات الإعلامية، في صناعة هذه الصورة الزائفة، حتى كادت المنصوري نفسها – ربما – تصدق أن “كرسي رئاسة الحكومة” صار قاب قوسين أو أدنى منها.

لكن الحقيقة أن فاطمة الزهراء المنصوري، رغم نفوذها المحلي في مراكش، ورغم موقعها المتقدم داخل حزب الأصالة والمعاصرة، لا تزال مجرد حليف في حكومة يقودها عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، الذي يتصدر مشهد الأغلبية الحكومية. وكل من يروج لسيناريو “المنصوري رئيسة للحكومة” يتجاهل عمدا أو جهلا أن قواعد اللعبة السياسية بالمغرب لا تقررها الرغبات الشخصية ولا “المزاج السياسي” لبعض المقربين أو المتطلعين، بل صناديق الاقتراع، وموازين القوى الحزبية، وتركيبة التحالفات.

اللافت أن هذه الأحاديث المنتشرة عن “رئاسة المنصوري للحكومة” تتقاطع مع حالة من التشكيك الممنهج في مصداقية العملية الانتخابية، وكأن مروجي هذه الفرضية يريدون القول إن نتائج الانتخابات المقبلة ستكون مفصلة على مقاس جهات معينة، أو أن الدستور المغربي قد صار بلا روح ولا سلطة فعلية في تحديد معايير تكليف رئيس الحكومة.

ما يثير الاستغراب أكثر هو أن هذه الأصوات لا تقدم أي قراءة موضوعية للأرقام، ولا تحلل وضعية حزب الأصالة والمعاصرة الحقيقية في الشارع المغربي، ولا تستند إلى مؤشرات علمية كاستطلاعات الرأي الجادة، بل تكتفي بما تروج له بعض الكواليس الحزبية المغرضة، أو ما يقال همساً في مقاهي الرباط ومراكش.

لا جدال أن فاطمة الزهراء المنصوري شخصية سياسية صاعدة، ولها حضورها اللافت في المشهد المحلي بمدينة مراكش، وقد تمكنت من ترسيخ صورتها كرئيسة جماعة منتخبة، ووزيرة تحاول أن تعطي لقطاع التعمير والإسكان نفساً جديداً. لكن بين هذا الحضور وبين كرسي رئاسة الحكومة، مسافة دستورية وانتخابية ومؤسساتية طويلة ومعقدة، لا يمكن اختصارها في مجرد رغبة شخصية، أو حلم يراود المقربين منها.

الأغرب من كل هذا أن حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، الذي تنتمي إليه المنصوري، يعيش حالة من التردد والارتباك، ويعاني داخلياً من صراعات دفينة بين أجنحته، ويواجه انتقادات لاذعة بسبب أدائه الحكومي، خصوصاً في وزارة العدل التي يقودها وهبي. فكيف لحزب بهذه الوضعية أن يقفز فجأة إلى قيادة الحكومة؟ وكيف لمناضليه وقياداته أن يقنعوا المغاربة بمنحهم ثقة صناديق الاقتراع في 2026؟

إن ترويج هذه الصورة المغلوطة عن المنصوري كرئيسة حكومة مرتقبة، يدخل في إطار لعبة سياسية خطيرة، هدفها ضرب الثقة في المسار الانتخابي، وتشويه صورة العملية الديمقراطية، وتحويل النقاش السياسي إلى سوق للخيال والتخمينات غير المؤسسة.

في النهاية، من حق فاطمة الزهراء المنصوري أن تطمح، ومن حق حزبها أن يحلم، لكن ليس من حق بعض المتلاعبين بالرأي العام أن يصوروا الوهم حقيقة، والحلم واقعاً، والطموح المفرط برنامج عمل جاهزاً للتنفيذ.

إن الدستور المغربي واضح، والمنطق الانتخابي واضح، وإرادة المغاربة أوضح: لا رئيس حكومة إلا من يختاره الشعب، عبر صناديق الاقتراع، لا عبر صالونات الوهم السياسي.