توقيف “الغشاشين” في امتحانات الباكالوريا..تواصلٌ فعَّال للنيابة العامة

في سياق الامتحانات الوطنية للبكالوريا، يبرز دور النيابة العامة كشريك أساسي في صون نزاهة هذا الاستحقاق الوطني، من خلال انخراطها المتقدم في مواجهة ظاهرة الغش، عبر آلية تواصلية فعالة تتجلى في إصدار بلاغات رسمية للرأي العام.
هذا الحضور التواصلي لم يعد مجرد إجراء تقني، بل تحول إلى واجهة لممارسة مسؤولة تكرس الشفافية وتعزز الثقة في مؤسسات العدالة. ويمثل هذا النهج تراكماً مؤسساتياً بدأ مع محمد عبد النبوي، حين كان وكيلاً عاماً للملك لدى محكمة النقض ورئيساً للنيابة العامة، واضعاً أسساً لمنظومة تواصلية تقوم على الإخبار السريع والدقيق. تلاه الحسن الداكي الذي حافظ على نفس الزخم التواصلي، قبل أن يدشن هشام بلاوي، الرئيس الحالي للنيابة العامة، ولايته بحملة تواصلية فريدة، توجت بتفاعل سريع مع قضايا الغش في الامتحانات الجارية.
وفي هذا الصدد، عكست بلاغات النيابات العامة بالحسيمة وأكادير فعالية في التواصل وفي تأطير الرأي العام حول خطورة الظاهرة. فقد أعلنت النيابة العامة بالحسيمة عن توقيف شاب يدير مجموعات “واتساب” لتسريب أجوبة الامتحانات مقابل تحويلات مالية، مع حجز معدات لها علاقة مباشرة بالغش، وذلك بناء على تعليمات صارمة ومتابعة حثيثة للشرطة القضائية. كما بادرت النيابة العامة بأكادير إلى الإعلان عن وضع ثمانية أشخاص تحت تدابير الحراسة النظرية، من ضمنهم مرشحان تم ضبطهما متلبسين بالغش ومجموعة أخرى توفر الدعم التقني لهم من خارج مراكز الامتحان، وهو ما يدل على مقاربة أمنية وقضائية استباقية، مرفوقة بإرادة تواصلية تعزز الوعي الجماعي وتوجه رسالة واضحة مفادها أن التساهل مع الغش لم يعد مقبولاً، وأن النيابة العامة حاضرة بقوة لحماية تكافؤ الفرص وسمعة المدرسة العمومية.
لقد أصبح واضحاً أن نجاح النيابة العامة في التصدي لظاهرة الغش لا يقتصر فقط على الجوانب الزجرية، بل يشمل كذلك رهانات التوعية والردع من خلال التواصل المؤسساتي المنظم. فالإعلان المسبق عن التوقيفات والمتابعات القضائية، مصحوباً بتفاصيل دقيقة حول الأساليب المستعملة في الغش، يوجه رسائل مزدوجة: أولها للمرشحين بأن محاولات التلاعب لن تمر دون جزاء، وثانيها للرأي العام بأن الدولة، عبر مؤسساتها القضائية، تتابع عن كثب كل محاولات تقويض مصداقية الامتحانات الوطنية. وهذه الاستراتيجية التشاركية في المعالجة بين النيابة العامة والضابطة القضائية، والمؤسسات التعليمية، تنم عن نضج مؤسساتي يعزز الثقة في آليات حماية النظام التعليمي.
كما أن هذا المسار التواصلي المتطور يعكس تحولا في تمثل النيابة العامة لدورها داخل المجتمع، إذ لم تعد فقط سلطة للمتابعة والزجر، بل صارت فاعلاً في ترسيخ قيم المواطنة والنزاهة والمساواة. فالتواصل لم يعد مرتبطاً فقط بالأحداث الكبرى أو الجرائم البارزة، بل بات يشمل حتى الظواهر المرتبطة بسلوكيات مجتمعية تحتاج إلى تقويم، مثل الغش، باعتباره انتهاكاً جماعياً لقيم الاستحقاق والكفاءة. وتندرج هذه الحملة الإعلامية الأخيرة في سياق أوسع من انفتاح المؤسسة القضائية على المجتمع، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تخليق الحياة العامة وترسيخ دولة الحق والقانون.


