كلية الحقوق أكدال..الأميرة الشامخة

في قلب العاصمة المغربية الرباط، تتربع كلية الحقوق أكدال شامخة كأيقونة من أيقونات الفكر القانوني والسياسي، ومعلَماً أكاديمياً له تاريخه وبصمته في تشكيل أجيال من القضاة، والمحامين، والباحثين، وصانعي القرار. ليست مجرد مبنى تعليمي، بل صرحٌ عريقٌ ينبض بالحياة، وينسج من جدرانه تاريخاً طويلاً من النضال العلمي، والتفوق المعرفي، والانخراط في القضايا الكبرى التي تشغل الوطن.
تأسست كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال في ستينيات القرن الماضي، وسرعان ما تحولت إلى مدرسة رائدة للفكر القانوني الحديث. احتضنت أسماءً وازنة في مجالات القانون والاقتصاد والعلوم السياسية، وكانت مسرحاً للحوار، والنقاش الأكاديمي، وتلاقح الأفكار، ما جعلها واحدة من أكثر المؤسسات الجامعية تأثيراً على المستوى الوطني.
لقبت بالأميرة الشامخة، لا لجمالها العمراني فحسب، بل لمكانتها الرمزية في قلوب آلاف الطلبة الذين عبروا مدرجاتها، وحلموا بين أسوارها بمستقبل أكثر عدلاً وحرية. من رحمها خرجت أصوات رفعت راية الحقوق، ودافعت عن دولة القانون، وأسهمت في وضع اللبنات الأولى لإصلاحات قانونية ومؤسساتية شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.
لكن الأميرة لم تسلم من التحديات. فقد مرت بسنوات عجاف، تراجعت فيها جودة التكوين، واهتزت صورتها بسبب الاكتظاظ، وقلة الإمكانيات، وتحول بعض فضاءاتها إلى بؤر للتسيب أو التجاذب السياسي. ومع ذلك، ظلت صامدة، ترفض الانكسار، مستعيدة ببطء مجدها، بفضل مجهودات أساتذة مخلصين، وطلبة متعطشين للعلم، وإرادة قوية لإعادة الاعتبار لهذا الصرح الجامعي العتيد.
اليوم، تقف كلية الحقوق أكدال أمام مفترق طرق جديد، حيث تفرض التحديات المعاصرة – من الرقمنة إلى متطلبات سوق الشغل – ضرورة التجديد وإعادة التفكير في النموذج البيداغوجي المعتمد. ويُعوَّل على الكلية أن تستمر في أداء دورها كمنارة للمعرفة القانونية، وأن تسهم في إنتاج فكر نقدي يواكب التحولات التي يعرفها المغرب والعالم.
تبقى كلية الحقوق أكدال، بكل ما تحمله من تاريخ ورمزية، عنواناً للشموخ الأكاديمي المغربي، وإحدى تلك القلاع التي لا تزال تصدح بالعلم في زمن أصبحت فيه المعرفة عملة نادرة.


