افتتاحية

كوكايين في استوديو العرايشي

في دولة تُصرف فيها الملايير على الإعلام العمومي باسم خدمة المواطن، يصبح من المشروع أن نسأل: ماذا يقع داخل أسوار الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة؟ وهل ما يجري هناك مجرد اختلالات تدبيرية عابرة، أم أننا أمام انهيار أخلاقي ومؤسساتي صامت؟

مصادر متطابقة كشفت لموقعنا معطيات صادمة، تتعلق باعتقال “ديكوراتور” داخل أحد البلاطوهات بمدينة الدار البيضاء، حيث كانت مخرجة تقوم بتصوير عمل تلفزي جديد لفائدة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. الواقعة، بحسب نفس المصادر، لم تقع في فضاء خاص أو إنتاج مستقل، بل داخل فضاء يفترض أنه يمثل الإعلام العمومي المغربي، المؤسسة التي تمول من جيوب المغاربة وتُفترض فيها القدوة المهنية والأخلاقية.

الخطير في القضية ليس فقط الاعتقال في حد ذاته، بل السياق الذي جاءت فيه الواقعة. فالعمل التلفزي موضوع الحادث مرتبط باسم مخرجة معروفة بعلاقاتها داخل دوائر النفوذ الإعلامي، والأكثر إثارة أن المشروع يُنسب إلى زوجة مدير موقع إخباري أصبح اسمه مقترناً، في أكثر من محطة، بشبهة “تضارب المصالح”، حيث تختلط الصحافة بالإنتاج، والإعلام بالامتيازات، والنقد بالاستفادة.

هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

كيف تحولت بلاطوهات الإعلام العمومي إلى فضاء تحوم حوله الشبهات؟

ومن يراقب من؟

وهل ما يقع مجرد حادث عرضي، أم نتيجة طبيعية لمنظومة صمت طويلة؟

الرئيس المدير العام فيصل العرايشي، الذي تعود الرأي العام على صمته في كل مرة تنفجر فيها فضيحة داخل المؤسسة، يبدو مرة أخرى خارج دائرة التفاعل. لا بل إن المتتبعين باتوا يعتبرون أن الصمت أصبح سياسة تواصلية قائمة بذاتها: لا توضيحات، لا مساءلة، لا فتح تحقيقات علنية، وكأن المؤسسة تعيش بمنأى عن المحاسبة العمومية.

والحال أن الأمر لم يعد يتعلق بزلة مهنية أو خطأ إنتاجي بسيط. فالإعلام العمومي عرف خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الكوارث التدبيرية والاختلالات التي مست المضمون، والحكامة، وتدبير الصفقات، بل وحتى صورة المؤسسة لدى المغاربة. ومع ذلك، لا شيء يتغير.

اللافت أيضاً أن هذه الواقعة تأتي في توقيت حساس، بعدما حل قضاة المجلس الأعلى للحسابات بمقر الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، للوقوف على مجموعة من الشبهات والاختلالات المرتبطة بالتدبير المالي والصفقات والإنتاجات التلفزية. حضور قضاة المجلس ليس حدثاً عادياً؛ فهو مؤشر واضح على أن أسئلة الحكامة لم تعد مجرد نقاش إعلامي، بل أصبحت موضوع افتحاص مؤسساتي رسمي.

لكن المفارقة الكبرى أن الاختلالات المالية والإدارية، مهما بلغت خطورتها، تظل أقل صدمة من الانزلاقات الأخلاقية التي باتت تتسرب إلى فضاءات يفترض أن تكون نموذجاً للانضباط والاحتراف.

حين يُعتقل شخص داخل استوديو تابع للإعلام العمومي في قضية مرتبطة بالمخدرات، فإن القضية تتجاوز الواقعة الجنحية نفسها لتطرح سؤالاً أعمق: من يدبر المؤسسة فعلاً؟ ومن يسمح بتحولها إلى مجال نفوذ مغلق، تُمنح فيه المشاريع وفق العلاقات لا وفق الكفاءة؟

الإعلام العمومي ليس ملكاً لإدارة، ولا لمدير، ولا لشبكة مصالح. إنه ملك للمغاربة جميعاً. وكل صمت رسمي أمام الفضائح يُقرأ باعتباره قبولاً ضمنياً بها، أو على الأقل عجزاً عن مواجهتها.

اليوم، لم يعد الرهان هو الدفاع عن سمعة مؤسسة اهتزت بالفعل، بل إنقاذ ما تبقى من ثقة المواطن في إعلامه العمومي. فالمغاربة الذين ينتظرون خدمة إعلامية تليق ببلد يستعد لتنظيم تظاهرات دولية كبرى، يجدون أنفسهم أمام أخبار عن اعتقالات وشبهات وتضارب مصالح بدل الحديث عن الجودة والإبداع والتنافسية.

كوكايين في الاستوديو… وصمت في الإدارة.

وما بين الاثنين، تضيع هيبة مؤسسة يفترض أنها صوت الدولة وصورة الوطن.

فهل يتحرك المسؤول الأول هذه المرة؟ أم أن قاعدة “لا شيء يحدث” ستستمر، إلى أن تصبح الفضائح هي الخبر الوحيد القادم من استوديوهات الإعلام العمومي؟