وجهات نظر

ياسين حسناوي يكتب: “الساكت” مهنيا

في زمن التحولات الكبرى التي يعرفها الإعلام، لم يعد الصراع بين الصحافة الورقية والرقمية مجرد اختلاف في الوسيلة، بل أصبح اختباراً حقيقياً للقدرة على التطور أو السقوط في عزلة مهنية صامتة. وفي خضم هذا التحول، طفا على السطح نموذج غريب لصحافي ورقي اختار أن يكون “ساكتاً” مهنياً؛ لا حضور له، لا أثر، ولا صوت يُسمع إلا في الزوايا الضيقة للوشاية والهمس والرسائل الخفية.

هذا “الساكت” لا يظهر حين يتعلق الأمر بالإنتاج الصحافي أو المبادرة المهنية أو صناعة الخبر، بل يستيقظ فقط عندما ينجح الآخرون. يحمل هاتفاً ذكياً، لكنه يستعمله بذكاء عكسي؛ يبعث عبر تطبيق “واتساب” رسائل مشبعة بالحقد، يحاول من خلالها صناعة الفتنة بدل صناعة المعلومة. لم يستوعب أن الإعلام الرقمي ليس مجرد منصة جديدة، بل عقلية جديدة تقوم على الجرأة والابتكار والاستثمار في الذات، لا على البكاء فوق أطلال زمن انتهى.

المعضلة الحقيقية ليست في انتقال بعض الصحافيين من الورق إلى الديجيتال، بل في انتقالهم وهم يحملون عقلية الفشل نفسها. فهناك من اعتبر الصحافة وظيفة دائمة الريع، لا مهنة تتطلب التطور اليومي والمغامرة المهنية. وعندما وجد نفسه خارج معادلة التأثير، بدأ يبحث عن شماعات يعلق عليها إخفاقه الشخصي: نجاح الآخرين، صعود جيل جديد، أو ظهور مقاولات إعلامية شابة كسرت احتكار الأسماء التقليدية.

هذا “الصامت” مهنياً لا يزعجه الخط التحريري ولا المحتوى، بل يزعجه أن شاباً في بداية الثلاثينات استطاع أن يدخل مغامرة المقاولة الإعلامية بثقة، وأن يبني مشروعاً قائماً على الاجتهاد والاستقلالية. يؤلمه أن يرى تجربة تنمو بينما مشروعه الشخصي انهار تحت ثقل الحسابات الضيقة والارتهان لأولياء النعمة. لذلك يتحول الهاتف إلى منبر خلفي، والكواليس إلى مساحة لتصفية عقد شخصية لا علاقة لها بالمهنة.

الغريب أن هذا النموذج يعيش مفارقة أخلاقية عجيبة: يعانقك بابتسامة عريضة في اللقاءات، ويتصل بك محاولاً تمرير وجهات نظر من يقف وراءه، ثم يتحول خلف ظهرك إلى ماكينة إشاعات. هو لا يواجه، لأنه يعرف أن المواجهة تحتاج رصيداً مهنياً، ولا يكتب باسمه، لأنه يدرك أن التوقيع مسؤولية. فيختار الصمت العلني والضجيج السري… صمت الواجهة وصخب الحسد.

الصحافة، في جوهرها، موقف قبل أن تكون مهنة. ومن لا يملك الشجاعة المهنية سيظل مجرد متفرج غاضب على نجاحات الآخرين. الفشل ليس عيباً، لكن تحويله إلى حقد دائم هو السقوط الحقيقي. لأن الزمن الإعلامي الجديد لا يعترف بمن ينتظر الامتيازات أو يعيش على “العيش بيليكي” مقابل مقالات مأجورة أو خدمات ظرفية.

ولذلك، فإن المعركة اليوم ليست مع شخص بعينه، بل مع عقلية كاملة ترى في نجاح الغير تهديداً شخصياً. عقلية تفضل أن تطفئ الضوء بدل أن تشعل شمعة. لكن الحقيقة البسيطة التي لم يستوعبها “الساكت” بعد هي أن المهنة لا تُدار بالرسائل السرية، ولا بالتحريض، ولا بمحاولات التشويش، بل بالعمل اليومي والوضوح والقدرة على البناء.

قد تختار الصمت… لكن الصمت المهني ليس حكمة، بل إعلان انسحاب. ومن يقرر أن يظل “ساكتاً” سيبقى خارج التاريخ الإعلامي، يراقب فقط محركات الآخرين وهي تنطلق بسرعة، بينما محركه متوقف منذ زمن طويل.

ببساطة:

ساكت لك الموطور… مهنياً.