كيف نُغيّر النظرة إلى الإعاقة ونحن نُساهم في صناعتها؟

الدكتورة نزهة العراقي رئيسة الجمعية المغربية لكنوز 21
قبل أن نتحدث عن تغيير النظرة إلى الإعاقة، علينا أن نمتلك شجاعة طرح أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها في العمق مزعجة: ما هي النظرة السائدة اليوم؟ هل نرى الإعاقة كاختلاف في القدرات أم كنقص دائم؟ من أين تتشكل هذه النظرة: من الأسرة، أم من المدرسة، أم من الخطاب الطبي، أم من المجتمع ككل؟ إلى أي حد تُساهم التعاريف غير الشاملة في ترسيخها؟
وهل نريد فعلًا الانتقال:من الإقصاء إلى اختلاف يُغني المجتمع؟من الشفقة إلى التمكين والتقبل؟من العزلة إلى التعايش والصداقة؟
هذه الأسئلة لا تُطرح للتأمل النظري فقط، بل لأنها تكشف تناقضًا نعيشه يوميًا. نرفع شعارات تغيير النظرة، لكننا في ممارساتنا نُعيد إنتاجها، أحيانًا دون وعي. في كثير من الأحيان، لا نُواجه الإعاقة كما هي، بل نُضيف إليها طبقات من القيود مصدرها نحن: في اللغة، وفي التوقعات، وفي طريقة التعامل.
جزء كبير من المشكلة يبدأ من التعريف. حين نستخدم تعاريف غير شاملة، تختزل الإنسان في جانب واحد من حالته، فإننا لا نصف الواقع بقدر ما نُعيد تشكيله. ويكفي أن نتأمل الكلمة نفسها: “إعاقة”—كم تُركّز في معناها على المنع والعجز، أكثر مما تُبرز التحديات أو الطاقات.
هنا، لا تعود الكلمات مجرد وصف، بل تتحول إلى إطار ذهني يُوجّه نظرتنا. يصبح الفرد “غير قادر” قبل أن يُمنح فرصة ليُحاول، وتتحول هذه الكلمة إلى سقف غير مرئي يحدد ما يُتوقع منه وما يُسمح له به. هكذا، لا تبقى اللغة حيادية، بل تُصبح أداة تُعيد تشكيل الواقع.
ولا يتوقف الأمر عند اللغة. فباسم النية الحسنة، نُساهم أحيانًا في تعميق العائق. طبيب يلمّح إلى محدودية المستقبل، فيغلق أفق الأمل منذ البداية. أستاذ يُبسط كل شيء، فيُلغي التحدي، ومعه فرصة التطور. أسرة تمنع المحاولة خوفًا من الفشل، فتصنع عجزًا لم يكن موجودًا أصلًا. ومجتمع ينسحب لأنه لا يعرف كيف يتعامل، فيُحوّل الاختلاف إلى عزلة. في هذه الحالات، لا تكون الإعاقة في الشخص بقدر ما تكون في البيئة التي لم تُتح له فرصة عادلة.
لكن إذا كان هذا الواقع قائمًا، فكيف يمكن تغييره؟ الجواب لا يكمن في الخطاب، بل في الممارسة. إثبات أن في الاختلاف طاقات لا يتم عبر الشعارات، بل عبر توفير شروط ظهورها. حين نُعطي فرصة حقيقية، ونُبقي على الهدف، ونُكيّف الوسائل بدل أن نُلغيها، تبدأ القدرات في الظهور. التقدم لا يُقاس بالمقارنة الجاهزة مع الآخرين، بل بمسار كل فرد وقدرته على التطور داخله. والسماح بالتجربة، حتى مع احتمال الخطأ، ليس مخاطرة، بل شرط أساسي للتعلم.
هنا نصل إلى إحدى النقاط الأكثر حساسية: هل يجب الحفاظ على نفس المعايير، أم تكييفها؟ الإشكال أن التعامل غالبًا ما يقع في أحد طرفين متناقضين. إما التمسك الصارم بنفس المعايير دون مراعاة الفروق، مما يؤدي إلى فشل متكرر، أو خفض المعايير بدافع الشفقة، مما يمنع أي تقدم حقيقي. والحل لا يكمن في هذا أو ذاك، بل في معادلة أكثر توازنًا: الحفاظ على الهدف، مع تكييف الطريق للوصول إليه. نفس القيمة، نفس الطموح، لكن بوسائل، وإيقاع، ودعم مختلف. القاعدة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها: لا تُخفض السقف، بل غيّر السلم.
أما التعايش، الذي يُرفع كثيرًا كشعار، فهو في حقيقته سلوك يومي. يبدأ حين نتوقف عن الافتراض ونبدأ بالسؤال، حين نتعامل بشكل طبيعي دون مبالغة في الشفقة أو حذر زائد، وحين نقبل أن الاختلاف في الإيقاع أو الطريقة لا يعني اختلافًا في القيمة. التعايش الحقيقي هو أن يبقى الشخص داخل الدائرة، مشاركًا فيها، لا موضوعًا للمراقبة من خارجها.
وفي السياق نفسه، يظهر الفرق بين الشفقة والاحتضان. الشفقة، رغم نيتها الحسنة، تضع مسافة خفية، وتُشعر الآخر بأنه أقل. أما الاحتضان، فيبني علاقة قائمة على الاعتراف. هو أن نترك مساحة للمحاولة قبل التدخل، وأن ندعم الاستقلال بدل أن نستبدله، وأن نُصغي بدل أن نُقرر نيابة عن الآخر. هنا فقط يتحول التعامل من ردة فعل عاطفية إلى موقف إنساني واعٍ.
ولا تكتمل هذه الرؤية دون الحديث عن صداقة الاختلاف. فالصداقة لا تُبنى على التشابه، بل على التجربة المشتركة. حين نخلق مساحات حقيقية للتفاعل—في المدرسة، في اللعب، في العمل—يتحول الاختلاف من مصدر قلق إلى عنصر طبيعي في الحياة اليومية. وتطبيع الاختلاف هو الخطوة الأولى نحو قبوله.
في النهاية، لن تتغير النظرة إلى الإعاقة إذا لم نعترف أولًا بأننا جزء من المشكلة. نحن لا نُقصي دائمًا بنية سيئة، بل أحيانًا بنية حماية خاطئة، أو خوف غير واعٍ، أو عادات لغوية وفكرية لم نُراجعها. لكن النتيجة تبقى واحدة: قيود تُضاف إلى ما هو موجود أصلًا.
تغيير النظرة لا يبدأ من الشعارات، بل من التفاصيل الصغيرة: من الكلمة التي نختارها، من التوقع الذي نضعه، من الفرصة التي نمنحها أو نحجبها. وحين نُغيّر هذه التفاصيل، نكتشف أن كثيرًا مما سميناه “إعاقة” لم يكن إلا نتيجة نظرة لم تكن عادلة.


