فواتير مرتفعة..هل تسرق SRM جيوب البيضاويين؟

تتزايد في الآونة الأخيرة أصوات الغضب وسط عدد كبير من سكان مدينة الدار البيضاء بسبب الارتفاع غير المسبوق لفواتير الماء والكهرباء، في وقت تعيش فيه القدرة الشرائية للمواطنين ضغطاً متزايداً بفعل غلاء المعيشة وتوالي الأزمات الاقتصادية. وبين تبريرات الجهات المفوض لها تدبير القطاع، وشكاوى المواطنين الذين يؤكدون أنهم باتوا عاجزين عن فهم منطق الفوترة الجديدة، يطرح سؤال كبير نفسه بإلحاح: هل أصبحت الفواتير عبئاً غير محتمل على البيضاويين؟ وهل هناك اختلالات حقيقية في نظام الفوترة المعتمد من طرف شركة SRM الدار البيضاء؟
خالد، موظف يقطن بمنطقة عين الشق، يقول إن صدمته كانت كبيرة عندما توصل بفاتورة تجاوزت ضعف المبلغ الذي اعتاد أداءه خلال السنوات الماضية. يوضح بنبرة يغلب عليها الاستغراب: “نفس عدد أفراد الأسرة، نفس الاستهلاك تقريباً، لم نغير أي جهاز كهربائي، ومع ذلك ارتفعت الفاتورة بشكل مفاجئ. حاولت البحث عن تفسير فلم أجد سوى أرقام معقدة لا يفهمها المواطن العادي”. خالد يؤكد أنه بدأ يقلص استعمال عدد من الأجهزة المنزلية، ليس رغبة في الاقتصاد فقط، بل خوفاً من مفاجآت نهاية الشهر.
أما سعاد، ربة بيت تقطن بحي الألفة، فتقول إن الفاتورة أصبحت مصدر قلق شهري داخل أسرتها. تحكي أن زوجها صار يحتفظ بكل الفواتير القديمة محاولاً المقارنة بينها، لكن الارتفاع ظل مستمراً. تقول: “أحياناً نغيب عن المنزل أياماً طويلة ومع ذلك نجد الفاتورة مرتفعة. نشعر وكأن الاستهلاك يُحتسب بطريقة لا تعكس الواقع”. سعاد تضيف أن عدداً من جيرانها يعيشون نفس الوضع، ما خلق حالة من التذمر الجماعي داخل الحي.
في درب السلطان، تحكي فاطمة – وهي متقاعدة – أن معاشها المحدود لم يعد يكفي لتغطية المصاريف الأساسية بعد الزيادات الأخيرة. تقول بأسى: “كنا نحسب الماء والكهرباء من المصاريف العادية، الآن أصبحنا نفكر مرتين قبل تشغيل سخان الماء أو استعمال الفرن الكهربائي”. وتضيف أن كبار السن هم الأكثر تضرراً، لأن دخلهم ثابت بينما الفواتير ترتفع بشكل متواصل.
سعيد، تاجر صغير بالمدينة القديمة، يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بغياب التواصل الواضح مع المواطنين. يقول: “نذهب للاستفسار فنسمع مصطلحات تقنية معقدة حول الأشطر والاستهلاك المتوسط، لكن لا أحد يشرح لنا ببساطة لماذا ارتفعت الفاتورة فجأة”. سعيد يعتبر أن الإشكال الحقيقي هو فقدان الثقة، لأن المواطن لم يعد مقتنعاً بأن المبلغ الذي يؤديه يعكس استهلاكه الفعلي.
هذه الشهادات الأربع تعكس حالة عامة يعيشها جزء واسع من سكان الدار البيضاء، حيث تحولت فواتير الخدمات الأساسية إلى موضوع يومي في المقاهي ووسائل النقل ووسائط التواصل الاجتماعي. فالمواطن الذي كان يركز سابقاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو المحروقات، أصبح اليوم يتوجس من ظرف الفاتورة أكثر من أي مصاريف أخرى.
ويرى متابعون أن الإشكال يتجاوز مجرد ارتفاع الاستهلاك، ليطرح تساؤلات حول طريقة احتساب الأشطر، دقة العدادات، وفترات القراءة، إضافة إلى مدى وضوح الفواتير المقدمة للمستهلكين. فكلما غابت المعلومة الدقيقة، اتسعت دائرة الشك، وتحول النقاش من تذمر اجتماعي إلى أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والشركة المفوض لها التدبير.
في المقابل، تؤكد الجهات المسؤولة في مناسبات مختلفة أن نظام الفوترة يعتمد معايير تقنية دقيقة، وأن ارتفاع الفواتير يرتبط غالباً بتغير أنماط الاستهلاك أو الانتقال بين الأشطر التسعيرية. غير أن هذا التفسير لا يبدو كافياً لإقناع فئة واسعة من البيضاويين الذين يطالبون بمراجعة شاملة لمنظومة التواصل والشفافية، وتمكين المواطنين من آليات واضحة لمراقبة استهلاكهم وفهم تفاصيل الفاتورة.
ما يحدث اليوم في الدار البيضاء يعكس معادلة حساسة: خدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، مقابل مواطن يشعر أن كلفة العيش أصبحت تفوق قدرته على الاحتمال. وبين الأرقام الرسمية وتجارب المواطنين اليومية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل الأمر مجرد ارتفاع طبيعي في الاستهلاك، أم أن هناك خللاً يستوجب تدقيقاً ومراجعة لحماية القدرة الشرائية للبيضاويين وإعادة الثقة في تدبير واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية؟


