بلا قيود

قَيْدٌ مريح أم حرّية مُكلّفة؟

خلال مرحلة وجودنا كأحياء، نمر عبر مجموعة من التجارب والتفاصيل التي تترك أثرًا على طباعنا. لكن بالحديث عن مفهوم «الحرية»، يمكن تقسيم حياتنا إلى مرحلتين أساسيتين، تصنعان الفارق والإنسان الذي نكون عليه اليوم.

المرحلة الأولى: مرحلة القيود المريحة، وهي مرحلة الخضوع والحتمية، التي نكون فيها مجرد صبايا فكريًا، خاضعين خضوعًا تامًا للقوالب والخيارات التي لا سلطة لنا عليها ولا ناقة لنا فيها. هي مجرد خيارات يرسمها لنا الآخرون، من عائلة ومجتمع، وتفرضها تقاليد البيئة والوسط. نستهلكها ونعيش وفقها دون أن نسأل، نافعةً كانت أم ضارة، حقيقةً كانت أم أوهامًا؛ فهي بمثابة أغلال مريحة.

المرحلة الثانية: مرحلة مصيرية، حينما نطرح فيها أسئلتنا الأولى، عندما نشعر بثقل الأغلال: أسئلة حول ما نريده، وما نرغب فيه حقًا. حينما نتحلى بالجرأة في التشكيك في المسلمات، وننظر إلى القوالب التي رُسمت لنا سابقًا نظرة تشاؤم لما فيها من غياب المعنى، فنقرر بشجاعة صنع معانينا الخاصة. هي بداية لما نسميه «الرغبة في الحرية».

إن الرغبة في الحرية، لما فيها من كسر للأغلال، وتحطيم للأوثان (فكر الجماعة وقيد التقاليد)، وبداية نضج فكري خاص، وصناعة معنى شخصي، بها ما يُغري لتقديم كل ما نملك قربانًا في سبيلها.

لكن هل تصبح الحرية هنا فعلًا سهل المنال والتطبيق؟ ووجهًا للطيش حيث نفعل ما تشتهيه أهواؤنا، دون قيد ولا رقيب؟

على العكس تمامًا، أن تكون حرًّا معناه أن تأخذ زمام الأمور، وتمسك بالمسؤولية؛ تختار وتتصرف وتتحمل نتائج أفعالك، ثم تصنع طريقك الخاص دون أن تلقي أعذارك على الطبيعة والغير والمجتمع، الأمر الذي يتطلب منك شجاعةً وانضباطًا وتوازنًا.

إن الأمر، كما يراه فيلسوفنا نيتشه، حيث يدعو إلى «خلق الذات» بدل الخضوع لقيم جاهزة؛ فالإنسان الحر، في نظره، لا يستهلك القيم كما يستهلك السلع، بل يصنع قيمه الخاصة من خلال التجربة والصراع والتجاوز المستمر.

ومن هنا يظهر مفهوم الإنسان الحر، لا بوصفه متسلّطًا وطائشًا، بل باعتباره إنسانًا تحمّل مسؤولية نفسه بالكامل!

لكن لنفرض جدلًا أنك استطعت تحقيق ذلك التوازن بنفسك، ألن تجد عقبات أخرى أمام تحقيق حريتك؟

إن خياراتك وقراراتك «الفردية»، بالرغم من أنها تشرح نفسها بنفسها بكونها «فردية»، ولا تمسّ الآخر لا من قريب ولا بعيد، فإنها لن تسلم من السؤال والعتاب والاندفاع وردود أفعال الآخرين تجاهها!

يبدو أن هناك مشكلة في وعي الآخر بمعنى الحرية الفردية؛ حيث تزعجه خياراتك لكونها تمردت على السائد، وخرجت عن المألوف. كأن الآخر يزعجه تكسيرك لـ«أغلالك»، بينما ظل هو مثقلًا بها، بل ربما لم ينعم حتى بفهم ما يقع. حيث يتجاوز الأمر الجهل بمفهوم الحرية، ويظهر في مرض الوصاية؛ هذا المرض الذي رُبّي عليه الآخر، وصار تراكمًا نفسيًا يصعب تجاوزه، بسبب برمجة الجماعة وقيد التقاليد التي أصبحت بمثابة هوية له. فينصّب نفسه وصيًا على كل مخالف لنهجه، لذلك لا يمنع نفسه من التهجم عليك، وتوجيه أصابع الاتهام تجاهك، وحشر أنفه في مساحتك متى أُتيحت له الفرصة، حتى وإن كانت مساحة لا تتقاطع مع مساحته الشخصية، ولا تأثير لها من قريب ولا بعيد على حياته. دون وعي، يتوهم نفسه وصيًا على حياتك، بالرغم من خراب حياته وفقدانه الوصاية عليها.

إن الصعوبات التي تقف أمام حريتنا ، غير تهجم الخاضعين ، لا تُعد و لا تحصى؛ فالحرية لا تُمنح بسهولة، بل تُنتزع بثمن، ندفع مقابلها قلق السؤال، وفقدان الأمان، وراحة الضمير من خلال الذوبان وسط القطيع، والشعور بالاغتراب في مجتمع لن يقبلنا إلا كخاضعين!

مع ذلك، ختاماً في وصف أهميتها، لن أجد تعبيرًا أجمل من تعبير فيلسوفنا الألماني السابق (نيتشه):

«إن الإنسان القوي هو من يقبل الألم بوصفه شرطًا للنمو، لا علامة على الفشل. فالحرية ليست راحة، بل قدرة على الاحتمال، وعلى تحويل المعاناة إلى قوة خلاقة».