بلا قيود

لم نخاف من الفلسفة!

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتسارع فيه رغبة الأفراد في الظهور والتألق النرجسي بأي طريقة كانت، على حساب ضرب أسس النقاش الجيد واحتضار العقلانية، يُختزل الرأي والنقاش في كمية الصخب والإثارة الرخيصة التي يُقدَّم بها الموضوع، حتى وإن كان الوسط علمياً أو أكاديمياً يحتاج إلى عقلانية لا إلى رأي عامي. حيث لا أهمية للدليل والبناء العقلاني بقدر أهمية الصخب والخطاب العاطفي في جلب المهتمين؛ فنختزل صواب الفكرة في درجة تأثيرها العاطفي علينا، ونعشق حدّ الجنون الآراء السريعة، ونغضب من كل فرد خالفنا أو توقّف للحظة ليسأل. وقد عمّمنا هذا السلوك على حياتنا وديننا ومختلف الأيديولوجيات التي تربطنا بالمجتمع. فلا يقف أحد لوهلة ليسأل نفسه: لماذا أتلقى هذا الرأي؟ وما الحجج التي يستند إليها حتى جعلتني أُسلِّم به تسليماً واثقاً لا غبار عليه؟

هنا نتساءل: أليس دور الفلسفة يكمن هنا بالضبط؟ حيث تطوّر فكرنا النقدي، وتحسّن من طرحنا الحِجَاجي، وتُنقِص من غرورنا، وتجعلنا أفراداً مشككين، نحمل دهشة الصبا تجاه جميع المواضيع؛ نفحص ونتأمل ونفهم أولاً، لكي نناقش بسلامة عقلية وبالطريقة الصائبة. فلمَ نخاف من الفلسفة؟

اسأل مختلف الأفراد، على اختلاف مواقعهم، عن رأيهم في الفلسفة، وسيقدّمون لك رأياً مسبقاً عنها، ساذجاً ومغلوطاً وجاهزاً، بكل ثقة. فرجل الدين يعتبرها كفراً وزندقة، والعامي يراها مرادفاً للسفسطة والترَف، وأشباه المثقفين يرونها تلاعباً بالمصطلحات المعقدة قصد إظهار وجه ثقافي أمام الآخرين. وحتى في الأوساط الأكاديمية المعنية بها أكثر، أي المدارس، أصبحت الفلسفة تُقدَّم كحفظٍ جاف لآراء واسترجاعها مقابل نيل نقط قصد النجاح فقط؛ فلا تقدّم لنا الفهم بل الحفظ، ولا تعلّمنا سوى الطاعة والخضوع بدل الشك والسؤال.

إن هذا النفور من الفلسفة ليس أمراً عرضياً أو بريئاً، بل يرتبط بجهلنا وعدم توقّفنا أمام المفهوم أولاً، كما يرتبط بطبيعة السلطة والطابوهات، التي تفضّل الفرد المنقاد على الفرد المفكّر، وتخشى العقل النقدي أكثر مما تخشى الجهل نفسه. فالتفكير الفلسفي، بما يحمله من شكّ وسؤال ومساءلة، يزعج كل سلطة تقوم على التوجيه بدل الإقناع، وعلى الدعاية بدل الحقيقة. لذلك يُحاصَر السؤال، ويُشوَّه التفكير، ويُربّى الفرد منذ البداية على تقبّل الجواب الجاهز لا على البحث عنه. وهنا بالضبط نفهم لماذا تصبح الفلسفة خطراً: لا لأنها تهدم القيم، بل لأنها تعيد فحصها؛ ولا لأنها تفسد المجتمع، بل لأنها تحرّر الفرد داخله.

إن استمرار هذا النفور، وهذا الفهم المغلوط للفلسفة، لا يخدم إلا الجهات التي تستفيد من تقييد وعينا. فيسعد رجل الدين بتكفيرك، ويسعد السياسي بالتحكم في عاطفتك، وتسعد كل سلطة قادرة على التلاعب بك لخدمة مصالحها. كل ذلك لأنك لم تحمل سلاح الفلسفة: سلاح السؤال، والشك، والتفكير المستقل. فحين نتخلى عن هذا السلاح، نصبح أكثر قابلية للجرّ، وأسهل قولبةً في الأشكال التي تروق للآخرين، و نقدم وعينا و حريتنا قرباناً لذلك التسليم.