افتتاحية

هاتفُ الملكْ

في السياسة، كما في التاريخ، هناك لحظات حاسمة لا تُقاس بالبيانات الرسمية ولا بخطب الانتصار، بل تُقاس بنبرة الصوت الذي يصنع الفرق. وفي ملف الصحراء المغربية، لم يكن صوت المملكة هذه المرة سوى صوت جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الهاتف أداة دبلوماسية حاسمة أعادت ترتيب موازين القوى داخل مجلس الأمن. من خلال مكالماته الشخصية مع قادة الدول المؤثرة، نجح الملك في تحويل قرارٍ كان يُتوقّع أن يكون عادياً إلى انتصارٍ استثنائيّ يُتوّج نصف قرن من النضال الدبلوماسي والسياسي.

ما كشفه ناصر بوريطة في حواره مع القناة الثانية ليس تفصيلاً عابراً، بل هو شهادة سياسية تُدرَّس. حين قال الوزير إن “الملك اتصل بشكل مباشر برؤساء دول” وأن “روسيا امتنعت من أجل جلالة الملك”، فهو يسلّط الضوء على جوهر الدبلوماسية المغربية الحديثة: دبلوماسية القائد الذي لا يكتفي بإعطاء التوجيهات من القصر، بل ينزل بنفسه إلى تفاصيل المعركة الدبلوماسية، يفاوض، ويقنع، ويتحدث إلى قادة العالم بلغتهم المشتركة؛ لغة الاحترام والثقة والمصداقية.

منذ أن تولى جلالة الملك محمد السادس العرش، لم يكن ملف الصحراء بالنسبة إليه ملفاً خارجياً فحسب، بل كان قضية وجود وهوية. ومع كل محطة دولية، أثبت أن الدفاع عن الصحراء لا يمكن أن يُترك لآلة بيروقراطية أو للغة الدبلوماسية الباردة، بل يحتاج إلى دفء الإرادة الملكية التي تُحرّك المؤسسات وتحشد المواقف. واليوم، مع تصويت 11 دولة عضو في مجلس الأمن لصالح مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تأكد أن بوصلة العالم قد استدارت نحو الرباط، وأن القناعة الدولية تتجه إلى أن مقترح المغرب ليس فقط واقعياً، بل هو الحل الوحيد الممكن في ظل استحالة استمرار الوضع الراهن.

الهاتف الذي تحدث عنه بوريطة ليس مجرد وسيلة اتصال، بل رمزٌ لدبلوماسية متجذّرة في الشرعية التاريخية والإنصات الذكي للمجتمع الدولي. فالمكالمات الملكية، كما أشار الوزير، كانت مفتاح التفاهم مع دول كانت مواقفها مترددة أو رمادية، فتحولت إلى مواقف داعمة ومعلنة. إن حصول المغرب على تأييد 11 دولة من أصل 15 داخل مجلس الأمن ليس صدفة، بل نتيجة لرؤية ملكية شمولية تجمع بين الحزم والمرونة، وبين المبادرة والتوازن.

ولعلّ الامتناع الروسي عن التصويت، “احتراماً لجلالة الملك” كما قال بوريطة، هو إشارة قوية إلى الثقة الشخصية التي راكمها الملك محمد السادس في علاقاته مع القادة العالميين. ففي زمن الانقسامات الجيوسياسية الحادة بسبب الحرب في أوكرانيا، كان موقف المغرب متوازناً، لا ينحاز للأحلاف ولا يعادي أحداً، بل يضع مبادئه في مرتبة أعلى من الاصطفافات. هذا التوازن لم يمرّ دون تقدير في موسكو، التي فضّلت أن تحترم صداقة الرباط على أن تدخل في مواجهة رمزية معها داخل أروقة الأمم المتحدة. وهنا تتجلّى قوة الدبلوماسية الملكية: لا في الكثرة الكلامية، بل في رصيد الثقة والاحترام الذي يجعل الكلمة المغربية مسموعة حتى لدى القوى الكبرى.

لقد أدار الملك محمد السادس هذه المعركة بهدوء القادة الكبار. لا مؤتمرات صاخبة، ولا تصريحات نارية، بل اتصال مباشر وصريح. في زمنٍ أصبحت فيه الدبلوماسية تُدار عبر التغريدات والمنصات، أعاد جلالته التذكير بأن العلاقات الدولية لا تزال تقوم على فنّ الإصغاء والإقناع الشخصي. وحين يتحدث الملك إلى رئيس دولة، فإنه لا يتحدث بصفته زعيم بلدٍ من الجنوب فحسب، بل بصفته قائد دولة ذات مصداقية إقليمية وقارية، وصاحب مشروع متكامل في إفريقيا والعالم العربي.

إنّ قرار مجلس الأمن الأخير ليس نهاية مسار، بل منعطف استراتيجي في مسيرة الدفاع عن وحدة التراب الوطني. لأول مرة، يصف القرار خطة الحكم الذاتي بأنها “الحل الأكثر واقعية”، وهو توصيف لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم جهودٍ متواصلة بدأت منذ سنة 2007 حين قدّم المغرب مبادرته، وتواصلت بتوجيهات ملكية واضحة نحو بناء تنمية قوية في الأقاليم الجنوبية، وإشراك الساكنة المحلية في صناعة القرار، وجعل الصحراء نموذجاً في الاستقرار والاندماج.

وهنا بالضبط، يُدرك المراقب أن المؤسسة الملكية هي المحرك المركزي لكل النجاحات الدبلوماسية المغربية. فبينما تتغير الحكومات والوزراء، تبقى ثوابت الدولة مرسومة في الرؤية الملكية التي تعتبر أن الدبلوماسية ليست ترفاً بل أداة سيادية للدفاع عن المصالح العليا. إن الملك، بما يمثله من استمرارية وشرعية، هو الذي يمنح السياسة الخارجية المغربية اتساقها وتماسكها، ويضمن أن لا تتحول قضية الصحراء إلى ورقة تفاوض ظرفية، بل إلى عقيدة وطنية راسخة.

ولعل ما يزيد من عمق هذا الانتصار أن المغرب لم ينتصر فقط في قاعة مجلس الأمن، بل انتصر في صورة دولته أمام العالم. فالدول التي دعمت مشروع الحكم الذاتي لا ترى في المغرب طرفاً في نزاع، بل دولة مسؤولة تقدم حلولاً واقعية وتؤمن بالسلام والتنمية. لقد انتصرت الدبلوماسية الهادئة على خطابات الانفصال، وانتصر صوت الملك على ضجيج الادعاءات.

في خلفية هذا النجاح، تقف أيضاً عقيدة دبلوماسية جديدة صاغها الملك منذ خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، حين قال بوضوح إن المغرب لن يظل مكتوف الأيدي أمام من يشكك في مغربية الصحراء. ومنذ ذلك اليوم، تحولت الدبلوماسية المغربية من الدفاع إلى الهجوم الإيجابي، القائم على كسب الاعترافات، وفتح القنصليات، وتوسيع شبكة الدعم الدولي. واليوم، تأتي مكالمات الملك لتُتوّج هذا المسار الطويل بـ«الضربة الدبلوماسية» التي ثبتت قدم المغرب في مجلس الأمن.

قد يظن البعض أن السياسة الخارجية تُدار من خلال الملفات والمذكرات والمفاوضين، لكن في لحظات الحسم، يكون صوت القائد هو السلاح الأبلغ. فالهاتف الملكي الذي اتصل برؤساء الدول ليس مجرد أداة للتنسيق، بل رمز لسياسة دولة تعرف متى تتكلم، ومع من، وكيف توصل رسالتها دون ضجيج.

الدرس الأهم من هذه اللحظة أن المؤسسة الملكية ليست متفرجة على الأحداث، بل هي الفاعل المحوري الذي يضبط إيقاع السياسة الخارجية المغربية. إنها المؤسسة التي تجمع بين الشرعية الدينية والسياسية والتاريخية، ما يجعل صوتها مسموعاً ومحترماً في الشرق والغرب.

الهاتف الذي دوّى في قصور العواصم الكبرى لم يكن يحمل رسالة من المغرب فقط، بل من تاريخ أمة تعرف ما تريد. رسالة مفادها أن الصحراء ليست ملفاً تفاوضياً بل جزءاً من الكيان المغربي. وأن الملك، حين يتحدث، لا يتحدث باسم السلطة، بل باسم شعبٍ يقف صفاً واحداً خلفه.

اليوم، وبعد هذا القرار الأممي، يمكن القول إن المغرب دخل مرحلة جديدة من الثقة في الذات. فالعالم لم يعد يتحدث عن “نزاع الصحراء”، بل عن “حلّ الحكم الذاتي المغربي”. وهذه التحوّلات لم تكن لتحدث لولا القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الدبلوماسية المغربية مرجعاً في النجاعة والاتزان.

في النهاية، قد تُكتب آلاف التقارير حول هذا القرار الأممي، وقد تختلف القراءات والتحليلات، لكن التاريخ سيذكر شيئاً واحداً: أنّ هاتف الملك كان أقوى من كل الحملات الدعائية، وأبلغ من كل الخطب السياسية. لأنه ببساطة، حين يتكلم الملك، فإنّ العالم يُصغي.