مصدر مطلع

من بائع “دلاح” إلى “طاشرون” كبير يوزّع ملايين الدراهم على الفرق

لا نعرف كيف يمكن في هذا البلد أن تنقلب الموازين بهذه السرعة، ولا كيف يمكن للغنى أن يسقط فجأة فوق رؤوس بعض الأشخاص كما يسقط المطر الغزير في ليلة صيفية. هناك من يكدّ ويتعب سنوات طويلة ليبني بيتاً صغيراً، وهناك من يبدأ من لا شيء، ثم في ظرف وجيز يصبح من أصحاب الملايين، يتنقل بين الفيلات والسيارات الفارهة وكأن المال لا يعرف طريقاً إلا إلى جيبه.

القصة التي بين أيدينا ليست من وحي الخيال، بل واقعية ومثيرة بكل المقاييس. بطلها شخص يُدعى (م.ع)، كان إلى وقت قريب مجرد بائع للبطيخ الأحمر، يتنقل بين الأسواق الصيفية في القرى والمدن الصغيرة. لكن فجأة، وبدون مقدمات منطقية، تحوّل إلى “طاشرون” كبير، يتحدث عنه الناس في كواليس الصفقات والملاعب، ويوصف بأنه أحد كبار موزّعي الملايين على الفرق الرياضية وبعض الوسطاء المعروفين في الدار البيضاء ومراكش.

الغريب أن هذا الرجل لم يأتِ من خلفية مالية أو تجارية قوية، ولا عُرف عنه أنه أدار مشاريع ضخمة أو خاض تجارب اقتصادية معقّدة. كل ما في الأمر أنه بدأ يقرّب نفسه من بعض الأسماء النافذة في الوسط الرياضي والسياسي، إلى أن صار اسمه يتردد في مجالس “الكبار”، بينهم سعيد الناصيري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، الذي يوجد اليوم خلف القضبان على خلفية ما بات يُعرف إعلامياً بـ”ملف إسكوبار الصحراء”.

وفق معطيات ووثائق خاصة يتوفر عليها موقع “زون24″، فإن (م.ع) كان من الزوار الدائمين لفيلا الناصيري في الأسابيع التي سبقت اعتقاله، حيث كان يحضر اجتماعات مغلقة، ويقدّم دعماً مالياً سخياً لبعض الأسماء التي تدور في فلك الوداد وعدد من الجمعيات الرياضية الأخرى. المثير في الوثائق أن هذا الرجل لم يكن يكتفي بالزيارات أو “التحيات”، بل قدّم مبالغ مالية ضخمة تُقدّر بملايين الدراهم، وزّعها على فرق رياضية في الدار البيضاء، في ظروف لا تزال غامضة ومثيرة للأسئلة.

كيف تحوّل بائع “الدلاح” إلى رجل يوزّع الملايين؟ من أين جاءت تلك الثروة المفاجئة؟ وكيف استطاع أن يشق طريقه نحو عالم المال والنفوذ بهذه السرعة؟ لا أحد يملك إجابات دقيقة، لكن المؤكد أن ظاهرة الاغتناء السريع باتت تُقلق الرأي العام في المغرب، لأنها تكشف عن اختلالات عميقة في منظومة القيم والرقابة والمحاسبة.

لقد صار الغنى المفاجئ في هذا البلد أشبه بمعجزة تتكرر كل يوم: أشخاص بلا تكوين ولا خبرة ولا مسار اقتصادي واضح، يتحولون بين عشية وضحاها إلى أثرياء نافذين، يملكون شركات ويدخلون عالم السياسة والرياضة والإعلام بسهولة لافتة. والنتيجة: غموض يلف مصادر الثروات، وصمت رسمي يُغذي الشكوك، ووعي شعبي بدأ يفقد ثقته في عدالة الفرص وشفافية المسارات.

إن قصة (م.ع) ليست سوى مرآة مصغّرة لواقع أكبر، حيث الغنى السريع صار القاعدة لا الاستثناء، وحيث من يبيع “الدلاح” اليوم قد يصبح غداً من أصحاب الفيلات الفاخرة والسيارات الفارهة، دون أن يملك أحد الجرأة ليسأل: من أين لك هذا؟