السلطة الرابعة

إحتقان جديدٌ داخل تلفزيون العرايشي

تعيش الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، ولا سيما المديرية التقنية، على وقع احتقان متصاعد، بسبب قرارات إدارية أثارت موجة من الغضب و الاستياء في صفوف العاملين، بعد فرض نظام اشتغال يمتد إلى أربع وعشرين ساعة رغم الخصاص الكبير في الموارد البشرية، إذ لا يتجاوز عدد المستخدمين في بعض المصالح خمسة أشخاص فقط.

هذه الوضعية المرهقة أدت إلى تنامي طلبات الانتقال الجماعي من طرف عدد من المستخدمين الذين لم يعودوا قادرين على تحمل ضغط العمل المتواصل، فيما لجأ بعض المسؤولين إلى تقديم طلبات الإعفاء من مهامهم تعبيرًا عن رفضهم لقرارات و صفوها بغير القابلة للتنفيذ ميدانيًا، بالنظر إلى ضعف الإمكانيات البشرية و اللوجستية المتاحة.

و تعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجارب سابقة لم تُكتب لها النجاح، من بينها تجربة العمل بنظام 24 ساعة داخل القناة “المغربية” عند إطلاق مادة إخبارية صباحية، و التي لم تحقق أي أثر مهني يُذكر، إذ اكتفت النشرات الجديدة بتكرار نفس المواضيع التي سبق عرضها في نشرات اليوم ذاته، ما جعلها دون جدوى مضمونية أو مهنية، في حين ظل العاملون الضحية المباشرة لمثل هذه القرارات الارتجالية التي تُتخذ دون تقييم أو دراسة للواقع العملي.

و يرى عدد من المتتبعين أن ما يجري اليوم داخل الشركة الوطنية يعكس فشلًا بنيويًا في تدبير القطاع الإعلامي العمومي ككل، وغياب رؤية استراتيجية واضحة تُعلي من شأن الكفاءات و الموارد البشرية باعتبارها القاعدة الأساسية لأي إصلاح مؤسسي. فبدل الاستثمار في العنصر البشري و تأهيله وتوفير ظروف عمل لائقة، تُفرض عليه إجراءات مرهقة في غياب التحفيز و التقدير، مما يؤثر سلبًا على المردودية، و يُفقد المؤسسة بوصلتها المهنية.

إن استمرار هذا النمط من التسيير القائم على القرارات الفوقية و الارتجال الإداري يكرّس صورة قاتمة عن الإعلام العمومي، و يضعه في مواجهة تحديات متزايدة في زمن التحول الرقمي و المنافسة المفتوحة. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون نموذجًا في الحكامة و الاحتراف، باتت اليوم تواجه أزمة داخلية حقيقية تُهدد استقرارها و وظيفتها الأساسية في خدمة الصالح العام.

و في هذا السياق، حذّرت النقابة الأكثر تمثيلية بالشركة من تداعيات هذا الوضع، معتبرة أن استمرار تجاهل نداءات العاملين سيقود إلى أزمة تنظيمية و مهنية عميقة، خصوصًا مع تزايد مظاهر الإرهاق و التذمر في صفوف التقنيين، الذين يشكلون العمود الفقري للمصالح التقنية و الإنتاجية.

لقد أصبح واضحًا أن إصلاح قطاع الإعلام العمومي بات ضرورة وطنية ملحّة، تقتضي إعادة النظر في أساليب التسيير، و تغيير العقليات التي ما تزال تدير هذا القطاع الحيوي بمنطق الجمود و القرارات الفوقية. فالإعلام، بقدر ما هو صوت المجتمع و مرآة الوطن، لا يمكن أن يؤدي رسالته في ظل سوء التدبير و غياب الرؤية، ولا أن يستعيد مكانته إلا بإرادة إصلاحية جادة تضع الإنسان في صلب الاهتمام، و تعيد للمرفق الإعلامي العمومي دوره الريادي و مصداقيته المفقودة.