العرايشي إرحل.. “المعمّر” الذي حوّل الإعلام العمومي إلى آلة باردة

منذ أكثر من ربع قرن، يجلس فيصل العرايشي على عرش دار البريهي، كأحد أطول المسؤولين بقاءً في موقعه داخل الدولة المغربية. ربع قرن من الزمن تغيّرت فيه الحكومات، تعاقب فيه وزراء الثقافة والاتصال، تبدّلت فيه الأجيال والوسائط والمنصات، بينما ظل الإعلام العمومي ساكناً، مُثقلًا بالأعطاب البنيوية والبرامج الفقيرة، تحت إشراف الرجل نفسه. ليس مبالغة القول إن استمرار العرايشي بهذا الشكل الطويل، يعكس بالدرجة الأولى خللاً عميقاً في رؤية الدولة لدور الإعلام العمومي، الذي تحوّل إلى مؤسسة “بلا نبض” في وقت صارت فيه الأجيال الجديدة تُنتج إعلامها البديل عبر الهاتف الذكي.
الإعلام العمومي في المغرب لم يعد فضاءً للخبر الرصين، ولا منصة للنقاش العمومي، ولا مدرسة لتكوين الرأي العام. بل تحوّل إلى قنوات مُستهلكة للميزانيات، تُعيد نفس الوصلات الغنائية، وتُغطي الأحداث بنفس الإيقاع الممل، وتُفَوّت على المغرب فرصة أن يكون له إعلام قادر على منافسة المنصات الرقمية، أو أن يشكل جسراً بين الدولة والمجتمع. كل هذا يحدث في وقتٍ يشتعل فيه الشارع بصوت “جيل Z” المطالب بالتغيير، بينما كاميرات الإعلام العمومي غائبة أو منحازة، وكأنها وُجدت فقط لتُعيد إنتاج لغة الخشب وتخدير الرأي العام.
العرايشي لم يعد مجرد مدير عام للـSNRT، بل صار رمزاً لـ”الجمود المؤسساتي”. كيف يُعقل أن يستمر مسؤول في منصب حساس لمدة تفوق عمر بعض المحتجين اليوم في الشارع؟ ما الذي يمنح رجلاً واحداً هذه الحصانة ضد التغيير؟ وهل يعقل أن دولة تقول إنها تراهن على الرقمنة والانفتاح والمجتمع الجديد، تبقي في رأس هرم إعلامها العمومي شخصاً فشل في تجديد المحتوى واللغة والرسالة؟ إن بقاء العرايشي في منصبه ليس مجرد خطأ إداري، بل رسالة سياسية سيئة مفادها أن دار البريهي لا تعنيها معركة المصداقية ولا تجديد الثقة مع الجمهور.
إن رحيل فيصل العرايشي اليوم لم يعد مطلباً قطاعياً أو نقابياً أو نخبوياً، بل صار جزءاً من مطلب وطني لتجديد الوجوه والعقليات. فالإعلام العمومي بحاجة إلى “دماء جديدة”، قادرة على استعادة ثقة الجمهور، وإعادة الاعتبار لمفهوم الخدمة العمومية، بعيداً عن عقلية الاستهتار بالزمن والمال العام. إن “المعمر” في دار البريهي لم يعد قادراً على إعطاء أي إضافة، ورحيله سيكون أول إشارة على أن الدولة تُدرك حجم الأعطاب التي راكمها إعلامها الرسمي.


