“طاشرونات” في فيلا الناصيري

عكفت أسبوعاً وأنا أقرأ وأدقق وأمحص مجموعة وثائق، ضمنها القرار رقم 329 الصادر عن الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 04 أبريل 2024، للملف رقم 387/2525/2024، حجم الصدمة كان كبيراً، إذ تضمن هذا القرار تفاصيل مثيرة عن قضية “إسكوبار الصحراء”. ملايير الدراهم كانت تناقش وتوضع في حسابات الناصيري، من “طاشرونات” معروفين، وسنأتي للتفصيل في الأرقام الفلكية لهؤلاء وهل تم دفع الضرائب وهل هناك فرضيات لتبييض الأموال، كل هذا سنفصل فيه في مقالاتنا القادمة على موقع “زون24”.
فيلا سعيد الناصيري في تقاطع شارع مكة مع شارع القدس ينطبق عليها المثل القائل: “بينما تراها فيلا عادية فإنها تخفي أسراراً”. الطاشرونات كانوا فاعلين رئيسيين في ثروة سعيد الناصيري، دعموا الوداد في فترته وتخلوا عنها عند اعتقاله. منحوا كل من ارتاد الفيلا، فللاً وشققاً وسيارات، وضمنهم صحافيون.
منذ سنوات، لم يكن اسم سعيد الناصيري يقتصر على كونه رئيساً لفريق رياضي عريق مثل الوداد، بل أصبح مرادفاً لشبكة من العلاقات المالية والسياسية التي تثير أكثر من علامة استفهام. الفيلا التي تحولت إلى ما يشبه “خلية تدبير”، لم تكن مجرد مكان للقاءات عابرة، بل فضاءً لنسج صفقات، توزيع عطايا، وضبط موازين القوى بين الطاشرونات والفاعلين في محيط الناصيري.
الوثائق التي اطلعت عليها تكشف أن الحديث عن ملايين الدراهم ليس ترفاً صحفياً أو مبالغة، بل واقعاً مسطراً في محاضر قضائية. النقاشات حول الأموال لم تكن تدور في الأبناك أو المكاتب الرسمية، بل داخل جدران الفيلا، حيث كان الحاضرون يتعاملون وكأنهم في سوق مغلق، الكلمة العليا فيه لمن يملك القدرة على الدفع السريع وتوظيف النفوذ.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من هم هؤلاء “الطاشرونات”؟
التوصيف الشعبي لهم يحيل على رجال ظل يتحركون في الخفاء، يضخون الأموال في كل الاتجاهات مقابل حماية مصالحهم أو توسيع نفوذهم. دعموا الوداد في عز سطوة الناصيري، وعندما تهاوت صورته بعد اعتقاله، انسحبوا الواحد تلو الآخر وكأنهم لم يكونوا يوماً هناك. هذه العلاقة الانتهازية تفضح طبيعة الارتباط الذي يطبع علاقة المال بالرياضة والسياسة في المغرب.
فما الذي يدفع أشخاصاً لضخ أموال طائلة في حسابات شخصية، بعيداً عن أي إطار قانوني أو محاسباتي شفاف؟ هل هو مجرد “كرم” موجه إلى فريق كروي جماهيري؟ أم أن وراء ذلك رهانات أعقد بكثير، تمتد إلى مجالات العقار، المقاولات، الصفقات العمومية، وربما حتى شبكات دولية مشبوهة؟
الوثائق القضائية تضعنا أمام احتمال أخطر: هل كانت هذه التحويلات مجرد “هدايا” و”دعم” أم أنها واجهة لتبييض أموال مجهولة المصدر؟ الحديث عن “إسكوبار الصحراء” ليس اعتباطياً، بل مرتبط بشبكة تمتد عبر الحدود، تستغل هشاشة الرقابة وضعف المساءلة في بعض المجالات الحساسة. فإذا ثبت أن تلك الملايير لم تخضع للضرائب، فنحن أمام نزيف مالي مزدوج: خسارة خزينة الدولة لحقوقها من جهة، وتغول ثروات غير مشروعة من جهة أخرى.
الأدهى أن هذا كله لم يكن سراً في الوسط الصحفي. صحافيون ارتادوا الفيلا، تسلموا مفاتيح شقق وسيارات، وظلوا يكتبون ويعلقون ويصوغون الروايات وفق ما يرضي ممولهم. هذا التواطؤ الخطير بين المال والإعلام يطرح مسألة أخلاقية حادة: كيف يمكن للرأي العام أن يثق في تغطيات مشوبة بالمجاملات والانتقائية، بينما بعض الأقلام كانت تعيش على عطايا الطاشرونات؟
إننا أمام ظاهرة متشابكة لا تخص سعيد الناصيري وحده. الفيلا مجرد عينة، نموذج مصغر لمنظومة أوسع، حيث يتقاطع النفوذ السياسي بالرياضة، ويتقاطع المال غير المراقب مع الصحافة، وتصبح المحصلة شبكة محمية بمصالح متبادلة. في مثل هذا السياق، تُطرح أسئلة دستورية وديمقراطية: أين دور الدولة؟ أين أجهزة المراقبة المالية؟ أين موقع البرلمان في تتبع هذه الثغرات؟
تجربة الوداد مع الطاشرونات تسلط الضوء على مأزق آخر: الأندية المغربية، بدل أن تبني نموذجاً احترافياً قائماً على الاستثمارات المشروعة والرعاية القانونية، تجد نفسها رهينة لمزاج أشخاص، يضخون المال حيناً ويتراجعون عنه حيناً آخر. النتيجة: استقرار هش، صفقات غير شفافة، وجماهير متفرجة على لعبة قذرة خلف الكواليس.
الناصيري، الذي كان يقدَّم كرجل قوي، يتحول اليوم إلى عنوان هشاشة نظام بأكمله. فلو لم يكن هناك فراغ تشريعي ورقابي، لما تمكنت شبكات الطاشرونات من التغلغل إلى هذا الحد. ولو كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة، لما تحول دعم فريق كروي إلى باب للاغتناء الفاحش وتبييض الأموال.
إن فيلا شارع مكة ليست مجرد جدران وأسقف. إنها رمز لطريقة اشتغال نخبة جديدة من رجال الأعمال والسياسة والرياضة، نخبة تخلط بين العام والخاص، بين الولاء والمصلحة، بين الرياضة كمجال شعبي والسياسة كأداة للنفوذ. الرمزية في هذا العنوان الجغرافي تلخص الوضع: فيلا عادية في حي عادي، لكنها في الحقيقة “بنك ظل” و”صالون نفوذ” و”مختبر صفقات”.
الصدمة التي خلفتها الوثائق بالنسبة لي لم تكن في حجم الأموال وحدها، بل في حجم التواطؤ والصمت. كم من مسؤول مر أمام هذه الوقائع دون أن يحرّك ساكناً؟ كم من مؤسسة فضّلت التغطية على الحقائق حفاظاً على “الاستقرار”؟ وكم من صحافي قبل أن يكون جزءاً من اللعبة بدل أن يفضحها؟
لهذا، فإن ما صدر عن محكمة الاستئناف ليس مجرد قرار قضائي، بل ناقوس خطر. ناقوس يقول: إما أن نتعامل بجدية مع ظاهرة الطاشرونات ونفتح كل الملفات المرتبطة بها، أو أن نواصل دفن الرؤوس في الرمال حتى نجد أنفسنا أمام “كارتيلات” مالية وسياسية لا يمكن السيطرة عليها.
إن الكتابة عن الناصيري ليست استهدافاً لشخص، بل مساءلة لبنية كاملة، مساءلة لتقاطع المال والرياضة والسياسة والإعلام. القضية أعمق من مجرد رئيس نادٍ، إنها صورة مكبرة لعطب يهدد الثقة في المؤسسات والعدالة والرياضة معاً.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات اللاحقة، تبقى الحقيقة الكبرى أن فيلا الناصيري ستظل شاهداً على مرحلة من تاريخ المغرب الحديث، مرحلة اختلط فيها المال بالسلطة بالصحافة، حتى صار “الطاشرون” هو الفاعل الخفي في رسم الخرائط وتوزيع الغنائم.


