السلطة الرابعة

إعلام رسمي مشلول..رواتب خيالية ومسؤولية بلا جدوى

يعيش الإعلام الرسمي المغربي واحدة من أعمق أزماته في تاريخه المعاصر، أزمة لا تتعلق فقط بالخط التحريري أو بضعف الإبداع والابتكار، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: ما الجدوى من مسؤولي الإعلام العمومي الذين يتقاضون رواتب ضخمة من المال العام، بينما يقفون عاجزين عن أداء أبسط أدوارهم في حماية صورة البلاد والدفاع عن قضاياه الاستراتيجية؟

المشهد الإعلامي العمومي في المغرب يعكس مفارقة صارخة، مؤسسات تستهلك ملايير الدراهم من ميزانيات الدولة، ومسؤولون يتربعون على كراسيهم منذ سنوات طويلة برواتب فلكية، لكن النتيجة في النهاية باهتة، متأرجحة بين الصمت المريب والارتباك المزمن. وحين يحتاج الوطن إلى خطاب إعلامي وطني قوي ومهني ومسؤول وفعّال، لا يجد أمامه سوى صمت مطبق أو تكرار رتيب للبلاغات الرسمية، وكأن هذه المؤسسات خارج الزمن السياسي والإعلامي الراهن.

من الأمثلة الأكثر دلالة، حالة قناة “ميدي1 تيفي”، حيث يتقاضى مديرها العام حسن خيار أجراً وتعويضات تصل إلى حوالي 48 مليون سنتيم شهريًا وفق ما كشفته تسريبات من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. رقم صادم، يوازي رواتب رؤساء حكومات في دول متقدمة، لكنه في المقابل لا يقابله أي أثر يُذكر على مستوى الأداء الإعلامي أو المهنية التحريرية. القناة نفسها عاشت ارتباكات متعددة، وصلت في بعض الأحيان إلى الإساءة غير المباشرة لصورة المؤسسة الملكية، بدل أن تتحول إلى حصن للدفاع عن المغرب وصورته في الخارج.

الوضع لا يختلف كثيرًا مع فيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، الذي عمّر أكثر من ربع قرن على رأس هذه المؤسسة. تجربة طويلة تحولت إلى رمز للجمود، حيث لم تشهد الساحة الإعلامية العمومية في عهده أي تجديد حقيقي أو تطور يذكر. ورغم ذلك، يظل العرايشي من بين أعلى المسؤولين أجراً، مستفيداً من امتيازات مالية ضخمة، في وقت يشتكي فيه المواطن من رداءة المحتوى وضعف مواكبة التلفزيون العمومي لقضايا المجتمع الجوهرية.

أما فؤاد عارف، المدير العام لوكالة المغرب العربي للأنباء، فما زال يتخبط بعد أكثر من سنتين في موقع المسؤولية دون بوصلة تحريرية واضحة. الوكالة التي كان يُفترض أن تكون واجهة المغرب في الساحة الإعلامية الدولية، لا تزال تعاني من جمود في الأسلوب وضعف في الانتشار والتأثير، وهي التي يُصرف عليها الكثير لتقديم منتوج صحفي يعكس صورة المغرب ويحصنها ضد الحملات المعادية.

ولا يمكن إغفال سليم الشيخ، المدير العام للقناة الثانية، الذي يقود مؤسسة استنزفت بدورها أموالاً طائلة، لكنها ما زالت غارقة في برامج مكرورة وخطاب لا يرقى إلى انتظارات الجمهور، فضلاً عن عجزها المزمن عن المنافسة حتى على المستوى الإقليمي.

النتيجة أن رواتب هؤلاء المسؤولين التي تصل إلى أرقام خيالية مقارنة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للمغاربة، تتحول إلى نوع من الريع الإعلامي غير المنتج.

ريع يقابله صمت وتردد وغياب أي مبادرة لمواجهة الحملات الإعلامية الخارجية أو تقديم محتوى يواكب دينامية المغرب السياسية والاقتصادية. في الوقت الذي احتاجهم الوطن، انكمشوا إلى مكاتبهم، وكأنهم مجرد موظفين إداريين ينتظرون التعليمات، بدل أن يكونوا قادة رؤية إعلامية حقيقية.

إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً، فالمغاربة الذين يمولون هذه المؤسسات من جيوبهم من حقهم أن يتساءلوا: لماذا تُهدر الملايير على قنوات ووكالات عاجزة عن القيام بمهامها الوطنية؟ ولماذا يستمر هؤلاء المسؤولون في مواقعهم رغم أن مردوديتهم ضعيفة إلى حد الفضيحة؟ إن المصلحة الوطنية تفرض اليوم مساءلة حقيقية، ومحاسبة دقيقة، ثم جرأة في اتخاذ القرار بإفساح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات القادرة على تحرير الإعلام العمومي من شلله، وتحويله إلى رافعة للسيادة لا عبئاً على الوطن.