السلطة الرابعة

عام على رحيل جمال براوي

قبل عام بالتمام والكمال، غاب عن الساحة الإعلامية المغربية واحد من أبرز أسمائها وأكثرها تأثيراً، الصحافي جمال براوي، الرجل الذي ظل لسنوات طويلة صوتاً جريئاً وقلماً حاداً، ومرجعاً في التحليل السياسي والاقتصادي، قبل أن يترجّل صباح 26 غشت 2024 تاركاً وراءه فراغاً لم يملأه أحد بعد.

كان رحيل براوي حدثاً صادماً للإعلاميين ولعموم الرأي العام. فمنذ بداياته في الصحافة، مروراً بمحطاته في رئاسة تحرير عدد من المنابر البارزة مثل La Vie Économique وLe Journal Hebdomadaire وLa Gazette du Maroc وChallenge، وصولاً إلى ظهوره المميز في الإذاعة وخاصة عبر ميكروفون إذاعة MFM، ظلّ الرجل مدرسة قائمة بذاتها. مدرسة في التفكير النقدي، في الجرأة على قول ما يُعتقد أنه لا يُقال، وفي الصرامة المهنية التي كانت تضعه دائماً في قلب النقاشات الساخنة.

جمال براوي لم يكن مجرد صحافي عادي، بل كان صاحب موقف. مناضل بقلمه، اتحادي الهوى والاختيار، لكنه ظلّ وفياً لمبادئ الصحافة الحرة التي لا تساوم. كان حادّ التحليل، دقيق الملاحظة، قادراً على تفكيك أعقد الملفات السياسية والاقتصادية بلغة سلسة ومباشرة تصل إلى القارئ والمستمع دون مواربة.

عام على رحيله، ما زال المشهد الإعلامي يتذكّر كلماته القوية، وتدخلاته الجريئة، ومؤلفه المؤثر حول تجربة ابنته “ياسمين”، الحاصلة على الباكالوريا رغم إصابتها بمتلازمة داون، والذي كشف فيه جانباً إنسانياً عميقاً من شخصيته. كتاب جعل اسمه يرتبط ليس فقط بالتحليل السياسي والاقتصادي، بل أيضاً بالدفاع عن الأمل في وجه التحديات الإنسانية.

رحيل براوي لم يكن خسارة لعائلته الصغيرة فقط، بل كان خسارة لعائلة إعلامية كبيرة. شهادات كثيرة أعقبت وفاته: سياسيون، صحافيون، مثقفون، وعموم متابعين، أجمعوا على أن المغرب فقد واحداً من أذكى العقول الصحافية وأكثرها نزاهة.

اليوم، ونحن نُحيي الذكرى الأولى لرحيله، يبقى السؤال مطروحاً: من سيملأ الفراغ الذي تركه جمال براوي؟

قد يكون الجواب صعباً، لكن الأكيد أن إرثه المهني والفكري سيظل حياً في ذاكرة الصحافة المغربية، وأن روحه ستبقى حاضرة في كل نقاش صادق، وكل كلمة حقّ تُقال في وجه سلطة أو انحراف.

عام مضى، لكن اسم جمال براوي سيظل محفوراً في وجدان كل من آمن بأن الصحافة رسالة وليست مهنة عابرة.