الضربُ والجرحُ

لا ينبغي للقارئ أن ينخدع بعنوان هذه الافتتاحية. فـ”الضرب والجرح” الذي نتحدث عنه هنا ليس له أي صلة بالمفهوم القانوني أو الجنائي المتعارف عليه في المحاكم، وإنما هو مجازٌ سياسي محض.
فبعد أسبوعين فقط من الآن، سيعود المشهد السياسي المغربي إلى حلبة النقاش العمومي مع انطلاق الموسم البرلماني الجديد، ليكون السجال محتدماً بين الأحزاب، سواء تلك التي تدير دفّة الأغلبية الحكومية، أو تلك التي تترصد لها من مقاعد المعارضة. وهنا يبدأ “الضرب والجرح” بالكلمات، بالمواقف، وبالخطابات.
الموسم السياسي المرتقب لا يبدو عادياً، خصوصاً وأنه يأتي في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها رهانات كبرى: تنزيل أوراش اجتماعية بحجم تعميم الحماية الصحية والاجتماعية، مواجهة تحديات اقتصادية ناتجة عن تقلبات الأسواق الدولية وتداعياتها على القدرة الشرائية، ثم هاجس الاستحقاقات الانتخابية التي تلوح في الأفق على المدى المتوسط. كل هذه العوامل تجعل “الضرب والجرح” السياسيين أكثر شراسة، وأكثر تأثيراً على الرأي العام.
الأحزاب في موقع الأغلبية ستدخل الموسم وهي مثقلة بحصيلة نصف ولاية حكومية تقريباً، مما يعني أن الرهان أمامها ليس سهلاً. فهي مطالبة بالدفاع عن إنجازاتها، وتبرير إخفاقاتها، وإقناع المواطنين بأن ما تحقق في ملفات الصحة والتعليم والاستثمار كافٍ لتجديد الثقة. غير أن المعارضة، بدورها، لن تضيّع الفرصة. فخطابها جاهز، وذخيرتها من الملفات والأرقام والنقائص حاضرة، مستعدة لإطلاق “طلقات” سياسية في كل الاتجاهات. إنها لعبة توازن القوى التي لا ترحم.
“الضرب والجرح” هنا لا يقتصر على الجلسات البرلمانية وحدها، بل يتسع ليشمل الندوات الصحفية، البرامج الحوارية في القنوات العمومية والخاصة، ثم المعارك اليومية على شبكات التواصل الاجتماعي. فالسياسة لم تعد حكراً على القبة أو مقرات الأحزاب، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي حيث الجملة القصيرة قد تحقق تأثيراً يفوق عشرات الخطب. لذلك، فإن السجال المرتقب سيحمل طابعاً متشابكاً: جزء منه تقليدي، وجزء منه جديد يولد وينتشر بسرعة البرق على منصات التواصل.
لكن ما يثير الانتباه في هذه المرحلة هو أن “الضرب والجرح” السياسيين لا يستهدف الخصوم وحدهم، بل يمتد في أحيان كثيرة إلى داخل البيت الحزبي الواحد. فالأحزاب التي تعيش صراعات داخلية أو تنافسات على الزعامة قد تجد نفسها أمام “جرح” ذاتي، يضعف قدرتها على المواجهة الخارجية. ولعلنا نتذكر كيف أن بعض الأحزاب فقدت الكثير من بريقها السياسي فقط لأنها انشغلت بتصفيات حسابات داخلية بدل الانكباب على معاركها الحقيقية في المجتمع.
الشارع المغربي، من جهته، يتابع هذا المشهد بمزيج من الفضول والريبة. فالمواطن العادي لا تهمه كثيراً التفاصيل الشكلية لهذه المعارك، بقدر ما يعنيه انعكاسها المباشر على حياته اليومية: هل سيؤدي هذا “الضرب والجرح” إلى خفض الأسعار؟ هل سيُحسّن خدمات الصحة والتعليم؟ هل سيخلق فرص شغل للشباب؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تحدد موقف الناس من السجال السياسي، لا حدة الخطابات ولا عدد الندوات.
الرهان الأساسي إذن، أمام الطبقة السياسية، هو أن تجعل من “الضرب والجرح” مجازاً منتجاً، لا مجرد تبادل اتهامات عقيم. أي أن يتحول هذا السجال إلى نقاش جدي حول الحلول والبدائل، إلى تنافس شريف على خدمة المصلحة العامة. فإذا بقي الأمر مجرد معارك كلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن الخاسر الأكبر سيكون هو ثقة المواطن في السياسة وفي المؤسسات، وهي الثقة التي يصعب استعادتها متى فُقدت.
ولعل المثير في المشهد أيضاً أن الإعلام سيكون ساحة حاسمة في هذه الجولة الجديدة. فالمساحات المخصصة للبرامج الحوارية والروبرتاجات والتحقيقات السياسية ستتحول إلى واجهة أمامية للمعارك القادمة. وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل سيستطيع الإعلام أن يواكب هذه السخونة بما يكفي من الاستقلالية والجرأة والعمق، أم أنه سيكتفي بدور الناقل المحايد للضربات المتبادلة؟ الإعلام القوي، بلا شك، قادر على تحويل “الجرح” السياسي إلى وعي جماعي يضغط في اتجاه الإصلاح.
في النهاية، “الضرب والجرح” الذي نتحدث عنه ليس دعوة إلى الفوضى أو التشنج، بل توصيف مجازي لحالة السجال الديمقراطي الطبيعي في أي بلد يسعى إلى تطوير تجربته السياسية. غير أن ما نتمناه جميعاً هو أن يبقى هذا “الجرح” رمزياً لا حقيقياً، وأن يكون الاختلاف في الأفكار والبرامج، لا في الأشخاص والمؤسسات. لأن الديمقراطية، في جوهرها، ليست سوى فنّ إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى خصومة مدمرة.
إذن، أسبوعان فقط يفصلاننا عن دخول سياسي يبدو واعداً بالكثير من الحرارة. ستبدأ حملات “الضرب والجرح” بين الأغلبية والمعارضة، وسنكون جميعاً شهوداً على هذه الجولة الجديدة من الملاكمة السياسية. لكن يبقى الأمل معقوداً على أن تكون الضربات قوية في المضمون، والندوب مفيدة في البناء الديمقراطي، حتى لا يتحول هذا الموسم إلى مجرد مشهد آخر من الصراع العقيم الذي يُتعب المواطن ولا يغيّر واقعه.


