كمال الهشومي يكتب: حين تنتصر الدولة للمجتمع عبر المحكمة الدستورية

كنت من الأوائل الذين أشادوا بمبادرة السيد راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، حين فعّل صلاحياته الدستورية وأقدم، بكل جرأة ومسؤولية، على إحالة قانون المسطرة المدنية على المحكمة الدستورية، منتصرًا بذلك للمصلحة العامة ولروح دولة الحق والقانون. إن هذه الخطوة ـ التي تأتي من رئيس ينتمي إلى الأغلبية الحكومية، بل إلى الحزب الذي يقودها ـ تُعدّ تجسيدًا ناضجًا لوعي دستوري متقدم، يعلي من شأن المؤسسات على منطق الاصطفاف السياسي، ويضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار حزبي أو ظرفي.
فتشريع القوانين ليس مجرد عملية تقنية محكومة بالأجندات الزمنية، بل هو عمل سيادي يرهن المجتمع لفترات طويلة، ويؤسس لمسارات تؤثر في الحقوق، والحريات، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية لعقود. وفي هذا السياق، يأتي هذا السلوك المسؤول ليبرز دور الدولة، من خلال مؤسساتها، في التدخل عند اللحظة المناسبة، حفاظًا على ما هو أسمى: حرمة المجتمع المدني وكرامته.
لقد أثبتت التجربة أن الدولة الدستورية لا تُقاس فقط بنصوصها، بل بقدرتها على تصحيح المسارات حين تنحرف، وعلى حماية المجتمع حين تتهور بعض السلط، أو تفتقر إلى الرزانة والعمق في تعاطيها مع ملفات حساسة. وفي هذا الصدد، تُجسد المحكمة الدستورية أبرز أدوات الدولة لصون التوازن الدستوري، وضمان الانسجام بين النصوص القانونية والمبادئ العليا التي يقوم عليها النظام الدستوري. إنها الحصن الحصين الذي يُمارس رقابة تتجاوز مجرد الشكل القانوني، لتلامس جوهر العدالة الدستورية ومصلحة الدولة في عمقها.
وقد برهنت هذه المؤسسة، من خلال قرارها في شأن قانون المسطرة المدنية، على يقظتها وسمو وظيفتها، حين صححت ما اعتبرته اختلالات تمس جوهر الضمانات الدستورية، في نص قانوني يرتبط بالمجتمع المغربي منذ أكثر من خمسين سنة، وسيرهنه لفترة مماثلة أو أطول. فالمحكمة لم تُمارس رقابة شكلية، بل جسّدت إرادة الدولة في حماية التعاقد الاجتماعي، واستباق آثار قد تكون مدمرة على الأمن القانوني والثقة في المؤسسات.
وفي ظل هذا السياق، نجد أنفسنا نُعيد التأكيد على أن القضايا المجتمعية الكبرى، كقانون المسطرة المدنية، لا تُدار بمنطق الأغلبية والأقلية، بل بمنهجية التوافق والحوار المؤسساتي والمجتمعي، حيث تُسمَع كل الآراء، وتُبنى الشرعية بتعدد المساهمات، لا بفرض مسارات أحادية. وقد عبّرت التوجيهات الملكية السامية، الموجهة إلى وزير الداخلية لفتح مشاورات سياسية وقانونية واسعة قبيل استحقاقات 2026، عن هذا المنهج الواضح في تصور الدولة، الذي يُعلي من المشاركة، ويؤمن بجدوى التعدد والتنوع في بناء القرار العمومي.
إن هذه التجربة تضعنا أمام درس بليغ: كلما فعلت الدولة آلياتها المؤسساتية في الوقت المناسب، كلما ضمنت حماية المجتمع وصيانة كرامته. وبهذا المعنى، فإن المحكمة الدستورية ليست مجرد هيئة قانونية، بل مرآة الدولة الدستورية حين تبلغ نضجها، وحين تحرص على ألا تُترك القوانين للمصادفات أو الغلبة السياسية، بل للرقابة والتدقيق والحوار المؤسس.
لتكن هذه اللحظة محطة تأمل، ورسالة موجهة لما تبقى من الولاية التشريعية: إن التراجع عن منطق المصلحة العامة، والركون إلى حسابات ضيقة، هو أفول سياسي لا يليق بمصالح الوطن. ومن لم يفهم بعد طبيعة المجتمع المغربي ـ الغني بتعدده وتنوعه الثقافي واللغوي والاجتماعي ـ فإنه لم يدرك بعد أن هذه الخصوصية هي سر صلابة المغرب، وقوة نموذجه في محيط إقليمي مضطرب.


