موقف ترامب وشجاعة الميداوي

في لحظاتٍ دقيقة من التاريخ، لا تحتاج الشعوب إلى الشعارات بقدر ما تحتاج إلى المواقف الواضحة والقرارات الجريئة.
المغرب، في صيف 2025، يقف على تقاطع رمزي بين جبهتين: جبهة الخارج، حيث تتكرّس الاعترافات الدولية بعدالة قضيته الوطنية في الصحراء، كما جاء صريحًا في برقية التهنئة التي بعثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش؛ وجبهة الداخل، حيث تبزغ ملامح إصلاح غير مسبوق داخل الجامعة المغربية، يقوده الوزير عز الدين الميداوي بشجاعة نادرة في وجه الفساد والرداءة والتسيب الإداري. هنا تتقاطع السياسة مع الجرأة، والدبلوماسية مع المسؤولية، ليرسم الوطن ملامح توازنه الجديد: ثبات خارجي في الدفاع عن السيادة، وإصلاح داخلي يربط المناصب بالمحاسبة.في لحظاتٍ دقيقة من التاريخ، لا تحتاج الشعوب إلى الشعارات بقدر ما تحتاج إلى المواقف الواضحة والقرارات الجريئة.
منذ دجنبر 2020، حين أعلن دونالد ترامب رسميًا اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، تغيّر منطق إدارة النزاع الإقليمي برمّته. وقد كان ذلك القرار تتويجًا لعقود من العمل الدبلوماسي المغربي الهادئ والممنهج، لكنه أيضًا كان تحوّلًا في الموقف الأميركي الذي لطالما اتسم بالغموض أو الحياد. واليوم، وبعد مرور خمس سنوات، يعيد الرئيس ترامب—في برقية عيد العرش 2025—تأكيد نفس الموقف بوضوح لا لَبْسَ فيه، واصفًا مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه “السبيل الوحيد الجاد والواقعي لتسوية النزاع” وداعمًا لمكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي. وهذه البرقية ليست مجرد مجاملة بروتوكولية. إنها رسالة موقعة من رئيس أميركي، في سياق دولي حرج، تُوجه إلى الخصوم قبل الأصدقاء، لتقول إن الاعتراف بمغربية الصحراء لم يكن نزوة عابرة، بل قرار سيادي راسخ تلتزم به الدولة الأميركية في ظل منطق استراتيجي جديد.
بعيدًا عن قاعات الأمم المتحدة، يخوض المغرب معركة داخلية لا تقل أهمية: معركة إصلاح الجامعة، التي طالما عانت من الجمود، والمحسوبية، والتساهل مع الرداءة. خلال أسابيع قليلة، وقّع الوزير عز الدين الميداوي قرارات إعفاء طالت رؤساء ثلاث جامعات كبرى: ابن طفيل بالقنيطرة، وابن زهر بأكادير، ومولاي إسماعيل بمكناس. كما أعفى عمداء كليات ومدير مدرسة عليا ببرشيد، بعدما كشفت تقارير المفتشية العامة عن خروقات جسيمة في التدبير، بعضها مالي، وبعضها إداري، وبعضها بيداغوجي يمس مبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة التكوين. ليست هذه القرارات مجرد تنقيلات إدارية، بل هي إعلان واضح أن مرحلة التساهل قد انتهت، وأن الوزارة لم تعد تتعامل مع الجامعة باعتبارها “ضيعات مغلقة”، بل فضاءات عمومية خاضعة للمحاسبة، وملزمة بمعايير الشفافية والكفاءة.
الميداوي، القادم من خلفية أكاديمية ونقابية، يدرك أن الجامعة ليست فقط فضاءً للدرس، بل هي مقياس حضاري للدولة، وبوصلتها نحو المستقبل. لذا، لم يتردد في مواجهة لوبيات النفوذ داخل مؤسسات التعليم العالي، ولم يخش تبعات الإعفاءات، ولا ردود الفعل من الداخل الجامعي أو خارجه. إنها شجاعة سياسية نادرة، كانت تحتاجها الجامعة منذ سنوات.
قد تبدو المسافة بعيدة بين خطاب ترامب في واشنطن، وقرارات الميداوي في الرباط. لكن الحقيقة أن كلا الموقفين يخدمان نفس الهدف الوطني: تأكيد السيادة، وبناء الداخل، ورفع منسوب احترام المغرب في الخارج والداخل معًا. حين تتكرّس السيادة في الصحراء، يتحصن الوطن من الأطماع والمناورات. وحين تُطهر الجامعة من العبث والفساد، تنضج النخبة وتُؤسس للمغرب الجديد القادر على المنافسة. إنها رؤية ملكية لطالما دعا إليها الملك محمد السادس في خطبه الأخيرة: المغرب القوي بمؤسساته، المحصّن بنخبه، المعتز بوحدته، والمنفتح على العالم بثقة وكفاءة.
من الواجب على الإعلام الوطني ألا يتعامل مع هذه التحولات بمنطق التهويل أو التهوين. لا مقام للانبهار، ولا مجال للتشكيك المجاني. حين يُظهر رئيس أميركي دعمًا صريحًا لوحدة المغرب الترابية، فذلك مكسب دبلوماسي يُوثق ويُستثمر. وحين يُعفي وزير مغربي مسؤولين جامعيين كباراً بسبب التقصير أو الفساد، فذلك قرار يُسائل الجميع، ويُحفز باقي القطاعات على الاقتداء. لكن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بالإشادة، بل يتابع، ويراقب، ويضغط في اتجاه ألا تبقى هذه القرارات معزولة أو ظرفية. الإصلاح لا يُنجز بقرار واحد، ولا تتحصن السيادة ببرقية واحدة.
المغرب لا يحتاج اليوم إلى دروس في الوطنية أو في الحكامة. ما يحتاجه هو تكريس ثقافة القرار الواضح، والقطع مع مناطق الظل، وتغليب المصلحة العليا على منطق التوازنات. برقية ترامب، وقرارات الميداوي، رسالتان مختلفتان من حيث الشكل، متكاملتان من حيث الجوهر. الأولى تقول إن العالم بدأ يعترف أكثر فأكثر بعدالة القضية الوطنية، والثانية تقول إن المغرب بدأ يعترف أخيرًا بضرورة إصلاح بيته الداخلي. ولعل الدرس الأبلغ من كل ذلك هو أن السيادة تبدأ من الداخل، وأن احترام الخارج لنا، يبدأ باحترامنا لمؤسساتنا، ولمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.


